زحام رمضان الدرامي .. رغم أن موسم رمضان 2026 يبدو واحدًا من أضخم المواسم الدرامية في السنوات الأخيرة، إلا أن الحقيقة التي تتكرر كل عام أن هذا الزخم الهائل لا يعني بالضرورة أن الجميع سيخرج منتصرًا.
كتبت/ ماريان مكاريوس
عشرات المسلسلات تتكدّس على الخريطة، تنوع واسع في الموضوعات، سباق شرس على النجوم، ودعاية تسبق العرض بأسابيع. لكن في نهاية الشهر، لا يبقى في ذاكرة الجمهور سوى القليل.
النصف الأول من الموسم حمل أعمالًا طويلة مثل “رأس الأفعى” و”أولاد الراعي” و”درش” و”علي كلاي” و”على قد الحب” و”فخر الدلتا” و”فن الحرب”، إلى جانب أعمال قصيرة مثل “صحاب الأرض” “كان ياما كان” “اتنين غيرنا” “كلهم بيحبوا مودي” “حد أقصى” “توابع” “مناعة” و”عين سحرية”.

إما عن النصف الثاني فيضيف موجة جديدة من الموضوعات، منها “عرض وطلب” “النص في جزئه التاني” “بيبو” “حكاية نرجس” “فرصة أخيرة” “أب ولكن” و”اللون الأزرق”.
الخريطة تبدو ثرية، لكن التدقيق يكشف مفارقة واضحة: كثرة الإنتاج لا تعني كثرة الجودة. هناك فارق بين عمل يدخل السباق برؤية واضحة، وعمل يدخل فقط لأنه لا يريد الغياب عن الموسم.
في الأعمال الكوميدية مثل “كلهم بيحبوا مودي” و”هي كيميا”، التحدي ليس في إضحاك الجمهور فقط، بل في تقديم كوميديا مختلفة لا تعتمد على التكرار أو الإفيه المستهلك. الكوميديا اليوم مكشوفة سريعًا؛ إما أن تصنع حالة وتنتشر، أو تسقط في أول أسبوع.
أما في مسلسلات الغموض والتشويق مثل “فرصة أخيرة” و”رأس الأفعى” و”فن الحرب” و”عين سحرية”، فالمعادلة أكثر حساسية. هذا النوع يعتمد على الإيقاع المحكم، والتصاعد المدروس، والمفاجآت غير المتوقعة. أي مطّ درامي أو تكرار يفقد العمل توتره ويحوّله إلى سرد تقليدي.

وفي الدراما الاجتماعية والإنسانية مثل “عرض وطلب” و”حكاية نرجس” و”اللون الأزرق” و”أب ولكن”، التحدي أكبر؛ لأن هذه الأعمال تمس قضايا حساسة، وتحتاج معالجة عميقة لا سطحية. لا يكفي طرح القضية، بل يجب بناؤها دراميًا بشكل صادق بعيدًا عن المباشرة.
المشكلة الحقيقية أن بعض الأعمال تدخل السباق وهي لم تنضج بعد. كتابة تُنجز على عجل، تصوير تحت ضغط الوقت، ومونتاج في اللحظات الأخيرة. يصبح الهدف هو “اللحاق بالخريطة” لا “صناعة عمل يعيش بعد رمضان”. وهنا تحديدًا تبدأ الخسارة.
الجمهور لم يعد يمنح ثقته بسهولة. قد يبدأ متابعة عدة مسلسلات في الأسبوع الأول، لكنه يُكمل فقط ما يقنعه. ومع تعدد المنصات وتنوع الخيارات، لم يعد المشاهد مضطرًا لمتابعة عمل ضعيف لمجرد أنه يُعرض في رمضان.
كل عام، تثبت التجربة أن عددًا قليلًا فقط هو الذي يربح المعركة. عمل أو اثنان يتحولان إلى حديث الشارع، وثلاثة يحافظون على حضور مستقر، والبقية تتلاشى وسط الزحام. النجاح لم يعد يُقاس بعدد الملصقات أو حجم الدعاية، بل بقدرة العمل على خلق حالة حقيقية.

رمضان سيظل موسمًا ضخمًا ومغريًا، لكنه أيضًا موسم كاشف. يكشف من دخل السباق بخطة واضحة، ومن دخل بدافع الخوف من الغياب. يكشف من استثمر في النص قبل النجم، ومن راهن على الفكرة قبل الإبهار الشكلي.
في النهاية، الزحام مضمون… لكن الفوز نادر. ليس المهم أن تكون ضمن قائمة العرض، بل أن تكون ضمن ذاكرة الجمهور بعد انطفاء الأضواء. الجودة وحدها هي التي تصمد، مهما كان الموسم مزدحمًا، ومهما كانت المنافسة شرسة.

