النفس البشرية بحرٌ عميق .. تخفي في أعماقها صراعات لا يراها أحد

 

النفس البشرية بحرٌ عميق؛ قد تبدو هادئة على السطح، بينما تخفي في أعماقها صراعات لا يراها أحد، فهي ليست كيانًا بسيطًا يمكن إختصاره في سلوكٍ ظاهر أو كلمةٍ عابرة، بل عالَمٌ داخلي متشابك، تتداخل فيه المشاعر بالأفكار، والرغبات بالمخاوف، والوعي بما نخفيه عن الآخرين، وأحيانًا عن أنفسنا.

الكاتبة / زينب محمد شرف

بين ما نريد أن نكونه وما أُجبرنا عليه، تولد أكثر المعارك قسوة
في ظاهر الإنسان ، قد نرى ابتسامةً مطمئنة أو صمتًا متزنًا، لكن في الداخل قد تدور معارك صامتة بين ما نريد أن نكونه، وما فُرض علينا أن نكونه، النفس البشرية بارعة في التكيّف ؛ تتقن إظهار القوة حين ينهشها الضعف، وتُجيد ارتداء الأقنعة حفاظًا على البقاء، لا حبًّا في الزيف، بل خوفًا من الانكسار أو الرفض، لذلك أكثر الناس ثباتًا هم أولئك الذين تعلّموا كيف ينهارون في صمت.

النفس تجمع التفاصيل الصغيرة، ثم تُحاسبنا عليها في قراراتنا الكبرى

تحمل النفس ذاكرة طويلة لا تنسى بسهولة تختزن المواقف، والكلمات، والخذلان، وحتى اللحظات الصغيرة التي ظنّ أصحابها أنها مرّت بلا أثر، ومع مرور الوقت تتحول هذه الذكريات إلى قناعات، وقد تصبح جروحًا غير مرئية تؤثر في اختياراتنا، وردود أفعالنا، وطريقتنا في الحب والثقة، وما يبدو للآخرين تصرّفًا مبالغًا فيه، قد يكون في الحقيقة صدى لألمٍ قديم لم يُشفَ، وما نحمله اليوم من قناعات، هو غالبًا بقايا مواقف ظنّها الآخرون عابرة، لذلك يجب علينا نحبّ بحذر، لأن الذاكرة تتذكر ثمن الثقة جيدًا.

هل القلب الذي يعرف الطريق إلى الرحمة، يعرف أيضًا طريق القسوة حين يُهدَّد؟
وبما أن النفس البشرية متناقضة بطبيعتها؛ قادرة على الرحمة والقسوة في آنٍ واحد، وعلى الشجاعة والخوف في اللحظة نفسها، قد تشتاق إلى القرب، ثم تهرب منه عندما يقترب، وقد تطلب الطمأنينة لكنها تخاف من فقدانها، وهذا التناقض ليس ضعفًا، بل انعكاس لتعقيد التجربة الإنسانية، حيث لا تسير المشاعر في خطٍ مستقيم، بل تتعرّج وفق ما مرّ به الإنسان من تجارب.

حين نواجه أنفسنا بصدق، تتوقف الصراعات عن كونها عدوًّا وتصبح معلّمًا

ومع كل هذا العمق، تظل النفس قادرة على الشفاء، فالوعي بها هو الخطوة الأولى لفهمها، والصدق مع الذات هو بداية التصالح معها، حين يمنح الإنسان نفسه حق الاعتراف بالألم دون إنكار، وبالاحتياج دون خجل، تتحول الصراعات الداخلية من عبءٍ خانق إلى دروسٍ تعيد تشكيله بنضجٍ أعمق وإنسانيةٍ أصدق.

بعض الضجيج استغاثة … لم تجد من يفهمها
ومن هذا المنطلق، تبقى النفس البشرية بحرًا لا يُستكشف بالكامل، لكن احترام عمقها يمنحنا قدرة أكبر على فهم الآخرين، والرفق بأنفسنا، فليس كل هدوء سلامًا، وليس كل صخب فوضى؛ فخلف كل إنسان حكاية لا تُرى، ومعركة تُخاض في صمت، ونفسٌ تحتاج قبل كل شيء إلى الفهم والاحتواء، وختامًا أعماق البشر لا تُرى، لكنها تُحسّ، ومن لا يشعر بها يظلمها.

👁 عدد المشاهدات : 5,044

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *