حين يكبر الجسد… البلوغ المبكر عند الفتيات لم يعد حالة فردية نادرة، بل ظاهرة متزايدة تفرض نفسها على الأسر والمجتمع. ورغم أن التعامل معها غالبًا ما يُختزل في التفسير الطبي والعلاج الهرموني، فإن الأثر النفسي والاجتماعي يظل الأقل تناولًا، رغم كونه الأكثر عمقًا وتأثيرًا في تكوين الطفلة وشعورها بذاتها
كتبت / داليا حسام
يُعرَّف البلوغ المبكر بأنه ظهور علامات البلوغ في سن أصغر من المعتاد، وقد تكون له أسباب وراثية أو بيئية أو صحية. إلا أن الإشكالية الحقيقية لا تكمن في التوقيت البيولوجي فقط، بل في الفجوة التي تنشأ بين نضج الجسد وعدم نضج الوعي النفسي والعاطفي.
الطفلة التي تمر بهذه المرحلة تجد نفسها فجأة أمام تغيّرات لا تفهمها بالكامل، ونظرة مجتمعية تتبدّل دون استعداد. يتغيّر أسلوب التعامل معها داخل الأسرة وخارجها، وتُحمَّل أحيانًا بتوقعات وسلوكيات لا تتناسب مع عمرها الحقيقي، فقط لأن مظهرها يوحي بأنها أكبر.

كثير من الأسر تقع في خطأ شائع، وهو اختزال البلوغ المبكر في كونه مسألة طبية بحتة، يتم التعامل معها عبر الطبيب والتحاليل، بينما تُهمل الأسئلة النفسية التي تدور داخل الطفلة: لماذا تغيّر جسدي؟ هل ما يحدث طبيعي؟ لماذا لم أعد أُعامل كطفلة؟ أسئلة غير مُجابة قد تتحول إلى قلق، أو خجل، أو اضطراب في صورة الجسد.
الملابس… بين الحماية وتحميل الطفلة ذنبًا لم تختَره
يُعد ملف الملابس من أكثر الجوانب حساسية وإرباكًا في مرحلة البلوغ المبكر. فبدافع الخوف، قد تلجأ بعض الأسر إلى التشديد المفاجئ والمنع، بينما يترك آخرون الأمر بلا توجيه واضح، وهو ما يضع الطفلة في حالة ارتباك مضاعفة.
التعامل الصحيح مع الملابس لا يقوم على العقاب أو إشعار الطفلة بأن جسدها «مشكلة»، بل على اختيار ملابس مناسبة لعمرها الحقيقي، توفّر الراحة والحماية في الوقت نفسه، دون مبالغة أو لفت انتباه غير ضروري. فالملابس هنا ليست وسيلة للسيطرة، بل أداة دعم نفسي، تُشعر الفتاة بالأمان لا بالخجل.
وتكمن الخطورة في لغة التوجيه؛ فالأوامر الجافة والعبارات التي تزرع الشعور بالذنب تجاه الجسد قد تترك أثرًا نفسيًا أعمق من التغيّرات نفسها. المطلوب هو شرح هادئ، وتوجيه واضح، يحفظ للطفلة صورتها الإيجابية عن ذاتها، ويؤكد أن الحماية لا تعني الإلغاء.
كما تتحمّل الأسرة مسؤولية توحيد الرسالة الموجّهة للطفلة، حتى لا تتلقى تعليمات متناقضة، وتُطالَب بالتصرف كالكبار في جانب، بينما تُعامَل كطفلة في جانب آخر.

كيف يكون التعامل الصحيح مع المرحلة؟
يشير المتخصصون إلى أن التعامل السليم مع البلوغ المبكر يجب أن يكون متوازنًا، يجمع بين الرعاية الطبية والدعم النفسي والاجتماعي. أولى الخطوات هي الاعتراف بأن الفتاة ما زالت طفلة، وأن تغيّر الجسد لا يعني نضجًا نفسيًا أو اجتماعيًا.
الشرح الهادئ، بلغة بسيطة ومناسبة للعمر، يمنح الطفلة فهمًا لما يحدث دون تهويل أو تخويف. كما أن فتح باب الحوار والاستماع لمخاوفها وأسئلتها دون تقليل أو توبيخ يعزّز شعورها بالأمان.
وتلعب الأسرة دورًا محوريًا في حمايتها من الضغوط الاجتماعية، سواء بالتعامل الواعي مع الملابس، أو بوضع حدود واضحة تحمي الطفلة دون أن تشعرها بالذنب أو الخجل. وفي بعض الحالات، قد يكون الدعم النفسي المتخصص ضرورة لضمان عبور هذه المرحلة بسلام.
البلوغ المبكر ليس أزمة جسدية بقدر ما هو اختبار للوعي والاحتواء. فحين يسبق الجسد العمر، تصبح مسؤولية الأسرة والمجتمع هي الحفاظ على الطفولة، لا التعجيل بنهايتها. الطفلة التي تجد من يفهمها ويحتويها، تعبر هذه المرحلة بأمان، أما التي تُترك وحدها، فقد تحمل أثرها النفسي لسنوات طويلة قادمة

