في عالم الفن اللبناني المليء بالأسماء اللامعة والأضواء المتلألئة، برزت شخصية هادئة وصامتة بعيدًا عن الإعلام، ليظل اسمه محفورًا في قلب محبي الأسرة الفنية الأشهر في لبنان، عائلة الرحباني.
كتبت / ماريان مكاريوس
فيروز…. هلي الرحباني، الابن الأصغر لأيقونة الغناء اللبناني فيروز والموسيقار الراحل عاصي الرحباني، لم يسعَ لحياة عامة أو متابعة الإعلام، بل اختار أن يعيش حياته في ظل الرعاية والحب العائلي، بعيدًا عن أي شهرة أو اهتمام جماهيري.
ولد هلي في عام 1958، ومع ولادته عرف أن حياته ستكون مختلفة عن إخوته وأقرانه، إذ صاحبته إعاقة شلل دماغي أثرت على حركته وقدراته الذهنية. هذه التحديات الصحية جعلت منه شخصًا يعتمد على رعاية خاصة، وهو ما جعل والدته فيروز، بطبيعتها الحنونة والمكرسة لعائلتها، تولي اهتمامًا كبيرًا بشؤونه اليومية. ومنذ اللحظة الأولى، كان هلي محور اهتمام الأمومة في حياة فيروز، التي لم تدخر جهدًا في تأمين كل ما يحتاجه ابنها للعيش بكرامة وسعادة، وسط حماية وخصوصية تامة.
خلال سنواته الأولى، عُرض على هلي الالتحاق بإحدى دور الرعاية المتخصصة، بل واقتُرح أن تكون من أفضل المؤسسات في لبنان، إلا أن فيروز رفضت ذلك بشكل قاطع، مؤكدة أنها ستكون المسؤولة الأولى والأخيرة عن رعايته، رغم انشغالاتها الفنية ومسيرتها الغنائية الواسعة.
رغم صخب الفن والحفلات الموسيقية والإنتاج الغنائي الذي عرفته العائلة، بقيت حياة هلي بعيدة عن الأضواء، ولم تظهر صور له إلا في عام 2022، عندما نشرتها شقيقته ريما الرحباني على وسائل التواصل الاجتماعي. أظهرت الصور هلي يستخدم كرسيًا متحركًا للتنقل، وظهر رفقة والدته، معبرة عن دفء العلاقة بينهما ورعاية الأم التي لم تتوقف يومًا.
حياة هلي الرحباني لم تكن مجرد حياة فردية بعيدة عن الإعلام، بل كانت أيضًا مصدر إلهام لوالدته وفنانين آخرين في العائلة. تشير بعض المصادر الصحفية إلى أن أغنية “سلم لي عليه”، التي كتبها زياد الرحباني وغنتها فيروز، كانت موجهة له، لتكون تعبيرًا موسيقيًا عن الحب والحنان الذي يحيط به، وعن المشاعر العميقة التي يكنها له والداه بعيدًا عن أنظار الجمهور.
لم يكن هلي مجرد ابن فيروز وعاصي، بل كان جزءًا من قصة إنسانية أوسع عن الحب الأسري والخصوصية والحماية في وجه ضغوط الشهرة. عاش حياته محاطًا بالأسرة، بعيدًا عن الأضواء، متلقيًا كل الاهتمام والرعاية من والدته التي صاغت حياتها اليومية حوله. ورغم التحديات الصحية، حافظ على هدوئه الخاص، وترك تأثيره العاطفي العميق على كل من عرفه، سواء في العائلة أو في محيطهم القريب.
تأتي وفاة هلي بعد صراع طويل مع إعاقته، لتضع نهاية لحياة صامتة ولكن مؤثرة، وتذكر الجميع بأن الشهرة ليست دائمًا معيارًا للأثر الإنساني أو الفني. رحيله لم يكن فقط خسارة للعائلة، بل أيضًا تذكيرًا بأن خلف أي أيقونة فنية هناك حياة إنسانية مليئة بالحب والاهتمام والتضحيات.
وفاة هلي جاءت بعد أشهر من رحيل شقيقه الأكبر الفنان زياد الرحباني في يوليو 2025، بعد سلسلة من الخسائر العائلية التي أثقلت قلب فيروز وعائلتها، فرحيل زياد السند و الابن الاكبر في يوليو الماضي و من قبله باعوام بعيدة رحيل الابنة الصغري ليال الرحباني عام ١٩٨٨ وها اليوم تجرب للمرة الثالثة الام فيروز بألم فقدان اصغر أبنائها.
إن دراسة حياة هلي الرحباني تكشف جانبًا آخر من حياة المشاهير، وهو الجانب الإنساني الذي لا يظهر غالبًا على الشاشات أو في اللقاءات الإعلامية. فعائلة الرحباني، التي شكلت جزءًا كبيرًا من تاريخ الفن اللبناني والعربي، لم تتخلَّ عن خصوصية حياتها الشخصية، وحرصت على حماية هلي من الأضواء، مما جعل حياته نموذجًا حيًا للحب الأسري والتفاني الأمومي.
حياة هلي تذكرنا بأن القيمة الحقيقية للفرد لا تُقاس بظهوره الإعلامي أو بقدرته على المشاركة في الحياة العامة، بل بالعلاقات الإنسانية والدفء العائلي الذي يحيط به. ورغم أنه لم يسعَ للشهرة، إلا أن قصته أصبحت رمزًا للعائلة والحب الذي يفوق كل الضوضاء الفنية والإعلامية. فيروز، التي فقدت في سنواتها الأخيرة أبناءها الآخرين، أظهرت من خلال رعايتها لهلي صورة من التضحية العاطفية والفن الحي، حيث الحياة الشخصية تصبح مصدر إلهام موسيقي وفني.
تظل صورة هلي الرحباني راسخة في ذاكرة الجمهور ليس فقط من خلال الأغاني التي كتبت له أو عنها، بل من خلال قصة إنسانية تستحق التأمل والدراسة. هي قصة طفل عاش مع تحديات صحية كبيرة، في ظل عائلة تخلت عن الشهرة لحماية خصوصيته، ونجحت في تقديم مثال حي على معنى الحب الأسري والوفاء للأبناء. وفي النهاية، ترك هلي إرثًا رمزيًا، ليس في الأعمال الفنية، بل في القيم الإنسانية والحب الذي يجمع الأسرة، لتبقى قصته جزءًا مهمًا من تاريخ عائلة الرحباني والفن اللبناني.
في وداعه، يمكن القول إن حياة هلي الرحباني، بعيدًا عن الإعلام والأضواء، كانت مليئة بالحب والرعاية والتضحيات، حياة لم تُوثّق بالكاميرات، لكنها رسخت في القلوب، لتكون درسًا لكل من يسعى للشهرة بأن القيم الإنسانية والعاطفية أعمق وأثمن من أي نجاح إعلامي أو فني.


