الرجل الشكّاك لا يبحث عن الحقيقة بقدر بحثه عمّا يؤكد خوفه

الرجل الشكّاك ليس مجرد شخص يتساءل أو يتحرّى أو يطلب اليقين؛ إنه رجل يرى العالم بعينٍ تظنّ أن الخطر يسكن التفاصيل، وأن الخذلان يختبئ خلف كل نية حسنة، هو لا يبحث عن الحقيقة، بل يبحث عمّا يؤكّد خوفه، وكأن ذهنه قد قرر مسبقًا الحكم على الأشياء، ثم أخذ يجمع الأدلة التي تُبرّر هذا الحكم، لا تلك التي قد تسقطه.

بقلم / زينب محمد شرف

الرجل الشكّاك لا يقاتل الآخرين، بل يقاتل نفسه كل يوم، ويظن أنه ينتصر:

فالشكّاك يعيش في معركة لا تهدأ، معركة لا يخوضها مع الآخرين كما يبدو، بل مع نفسه أولًا إنه يخاف أن يُخدع، فيُفسِّر الصدق على أنه تمثيل، ويحوّل اللطف إلى خطة خفية، ويقرأ الكلمات البسيطة بمبالغة تجعلها تحمل ما لا تحتمل، وكلما أحب أكثر، اشتد خوفه، وكلما اقترب من أحد، ازداد اقتناعه بأنه على وشك الفقد، فيتحوّل الحب معه إلى ساحة تحقيق، والاهتمام إلى أسئلة لا تنتهي، والثقة إلى باب مغلق لا يملك المفتاح، لذلك لا تخاف الخداع حتى لا تفسر الصدق على أنه تمثيل، واللطف على أنه خطة لا يراها غيرك.

ضعيف ويفتقد للطمأنينة

ربما هشاشته هي سرّ قسوته؛ التي يخفي خوفه خلف حذرٍ مبالغ فيه، ويظن أن الحماية تمنع الألم:

الرجل الشكّاك لا ينقصه الحب، بل تنقصه الطمأنينة ، يرى في نفسه هشاشة يخفيها خلف قناع القسوة أو الحذر المبالغ فيه، ويظن أنه إذا فكّك كل التفاصيل سيمنع الألم، بينما هو في الحقيقة يصنع ألمًا لا داعي له، يخاف الخيانة فيبالغ في الحماية، يخاف الفراق فيبالغ في التقييد، يخاف الوجع فيُوجِع من يحبّ دون قصد.

من اعتاد أن الأمان مؤقّت، لا يعرف كيف يمنح الطمأنينة، ولا كيف يتلقّاها.

الحقيقة المؤلمة أن الشكّ هو الابن الشرعي للخوف، فإذا لم يُداوَ الخوف، لن يُمنَح الشكّ فرصة ليهدأ، فالرجل الذي لا يثق بالعالم عاش غالبًا قصة جعلته يتوقّع الأسوأ، أو خذلانًا ترك فيه أثرًا، أو بيئة اعتاد فيها أن الأمان مؤقت، لكنه بدل أن يعالج الجرح يبني حوله جدارًا، ثم يلوم الآخرين إن لم يستطيعوا اختراقه، وعليك ان تدرك جيدًا أن القلوب تُؤذى عندما تُدان قبل أن تُفهم.

يبحث عن الحقيقة، لكنه يبحث بها بعينٍ خائفة، فتضلّ عنه الطرق المضيئة:

ومع ذلك لا يمكن القول إن الشكّاك سيئ؛ إنه فقط إنسان يبحث عن الأمان في الطرق الخطأ، ويبحث عن الحقيقة لكنه يمسُك مصباحه من الجهة المظلمة، فلا يرى إلا الظلال يحتاج إلى من يقول له أنا لست خَوفك القديم، ويحتاج إلى ثقة يكتسبها لا فرضًا يُطالِب به، وإلى مساحة يفهم فيها أن الحب لا يعيش تحت رقابة، وأن القلب لا يُحمى بالشكّ بل بالصدق، ومن المهم أن تعلم ان الحب لا يعيش تحت الرقابة، بل يموت حين يتحوّل الاهتمام إلى مراقبة مستمرة.

صراع وخوف ودائرة مغلقة

أعظم حقيقة يتعلّمها الشكّاك هي أن الخوف لا يقي من الوجع، بل يسرق أجمل ما يمكن أن يمنحه الحب

ومن هذا المنطلق اود ان اقول الرجل الشكّاك يعيش صراعًا داخليًا بين رغبته في أن يُحَب، وخوفه من أن يُؤذى، ولذلك يظلّ يدور في دائرة مغلقة يخاف فيُشكّ، ويُشكّ فيخسر، ويخسر فيزداد خوفه، ولا يكسر هذه الدائرة إلا أن يدرك أن الحقيقة لا تُكتشف عبر البحث عن الأدلة التي تُؤكّد مخاوفنا، بل عبر التجرؤ على رؤية الأشياء كما هي، لا كما يخشاها القلب، وختامًا انتى لستِ مطالبة بإثبات براءتك كل يوم، لأن الشكّ إذا كان عميقًا لن يقتنع مهما شرحتي له، وانت إذا كنت تبحث عن الطمأنينة، فابدأ بتصديق من اختار أن يكون معك.

الكاتبة/ زينب محمد شرف

👁 عدد المشاهدات : 5,037

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *