دولة التلاوة في رمضان… حين يتجدد المجد من محراب مصر

 

دولة التلاوة في رمضان .. في ليالي رمضان، ومع إشراقة الأنوار في مساجد مصر الكبرى، تتجدد روح خاصة لا تشبه سواها. هناك، في حضرة القرآن، يلمع نجم “دولة التلاوة” التي صنعت لمصر مكانة متفردة في عالم التلاوة، وجعلت من أصوات قرّائها مدارس قائمة بذاتها في الأداء والخشوع والإتقان.

بقلم/ إيمان سامي عباس

عبر عقود طويلة، أنجبت مصر كوكبة من أعلام التلاوة الذين رسخوا ملامح المدرسة المصرية، مثل محمد رفعت، ومصطفى إسماعيل، وعبد الباسط عبد الصمد، ومحمود خليل الحصري، ومحمد صديق المنشاوي.
لم تكن تلاواتهم مجرد أصوات عذبة بل كانت رسالة إيمانية عميقة، امتزج فيها صفاء النبرة بدقة التجويد، وصدق الإحساس بمعاني الآيات. فصاروا قدوة لكل من اعتلى المحراب بعدهم، وحملوا لواء القرآن في زمن أصبحت فيه الإذاعة نافذة العالم إلى أصواتهم.

أئمة التراويح اليوم… امتداد أصيل بروح معاصرة

اليوم، في مساجد مثل مسجد الحسين، ومسجد عمرو بن العاص، ومسجد السيدة زينب، والجامع الأزهر، ومسجد مصر، ومسجد الفتاح العليم، تتجدد ملامح هذه الدولة كل ليلة في صلاة التراويح. ترتفع أصوات الأئمة في مشهد إيماني مهيب، تختلط فيه الدموع بالدعاء، ويجتمع الناس حول القرآن كما يجتمعون حول موائد الإفطار.
أئمة التراويح في عصرنا لا يعتمدون على جمال الصوت وحده، بل يدركون أن المحراب مقام عبادة قبل أن يكون مقام أداء. يحرصون على التوازن بين حسن التلاوة وعدم التكلف، وبين إطالة القراءة ومراعاة أحوال المصلين، خاصة كبار السن وأصحاب الأعذار. فهم دعاة بأخلاقهم وسلوكهم، قبل أن يكونوا أصحاب حناجر ندية.
وتبقى المدرسة المصرية مميزة بنَفَسها المقامي الرصين، الذي يحفظ لجلال النص القرآني مكانته، بعيدًا عن المبالغة أو الاستعراض. وضوح الحروف، وانضباط المخارج، والانتقال المتقن بين المقامات دون افتعال، كلها سمات تجعل المستمع يميز بين التلاوة الخارجة من القلب، وتلك التي تسعى إلى تأثير عابر.

المسجد في رمضان… وحدة وطن وصوت أمة

في ليالي التراويح، تتحول مساجد مصر الكبرى إلى صورة مصغرة من المجتمع؛ يقف الشاب إلى جوار الشيخ، والعامل إلى جوار الأستاذ الجامعي، في مشهد يجسد روح الجماعة ووحدة الصف. ويصبح الإمام قائدًا روحيًا يحمل في دعائه هموم الناس، ويعكس في قنوته آمالهم وآلامهم، فتخشع القلوب قبل الأجساد.

ولا يغيب عن هذا المشهد دور المؤسسات الدينية، وفي مقدمتها وزارة الأوقاف المصرية والأزهر الشريف، حيث يتم إعداد واختيار الأئمة وفق معايير دقيقة تجمع بين حفظ القرآن، وإتقان أحكامه، وحسن السيرة، والقدرة على التأثير الإيجابي. فالتراويح في مساجد مصر ليست مجرد صلاة موسمية، بل مسؤولية روحية ووطنية.

وهكذا، يبقى نجوم “دولة التلاوة” في صلاة التراويح امتدادًا طبيعيًا لعمالقة الأمس، وجسرًا يصل بين تاريخ عريق وحاضر متجدد. وإذا كانت أصوات الماضي قد عبرت الأثير عبر الإذاعة، فإن أصوات اليوم تعبر المنصات الحديثة، لتصل إلى الداخل والخارج، مؤكدة أن مصر ستظل منارة للتلاوة وموطنًا لأهل القرآن.

وفي كل رمضان، تثبت ليالي التراويح أن دولة التلاوة لم تغب يومًا، بل تتجدد بأصوات تحفظ للقرآن جلاله، وللمحراب هيبته، وللمصلين خشوعهم.

كاتبه المقال
إيمان سامي عباس

👁 عدد المشاهدات : 5,011

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *