“تارتاريا”: من مصطلح جغرافي إلى أسطورة رقمية

كتب باهر رجب

I. مقدمة: رحلة في عالم من التاريخ والغموض
تكتسب بعض الروايات التاريخية المنسية زخما غير متوقع في العصر الرقمي، لتتحول من مجرد هوامش في كتب التاريخ إلى نظريات مؤامرة واسعة الانتشار. من بين هذه الروايات، برز مصطلح “حضارة تارتاريا العظمى” كظاهرة مثيرة للجدل، حيث يتم تداولها بكثافة على منصات التواصل الاجتماعي، مصحوبة بأسئلة جوهرية تلامس شغف الكثيرين بالماضي المفقود: هل كانت هناك حقا إمبراطورية عملاقة و ثرية ذات تكنولوجيا متطورة، اختفت فجأة من صفحات التاريخ؟. تتناقل هذه الرواية صورا لمبانى قديمة ضخمة، وقلاع نجمية، وأبواب غائرة تحت الأرض، باعتبارها أدلة دامغة على وجود حضارة أُخفيت عمدًا عن الوعي الإنساني.
يهدف هذا التقرير إلى تفكيك هذه الإشكالية المعقدة، من خلال تحقيق صحفي دقيق يفصل بين الحقيقة التاريخية والخيال المتوارث. يسعى المقال إلى استكشاف “تارتاريا” كمصطلح جغرافي موثق في الأدبيات الأوروبية، مقابل “إمبراطورية تارتاريا” كنظرية مؤامرة حديثة. سيقوم التحليل بالاعتماد على حقائق تاريخية وعلمية راسخة لتفنيد الادعاءات التي يروج لها المحتوى الرقمي، والذي يميل إلى السرديات العاطفية و المبسطة.
إن انتشار هذه النظرية يطرح سؤالا أعمق حول كيفية استغلال الفراغات في المعرفة التاريخية. فكلمة “تارتاريا” نفسها كانت مصطلحا غامضا وغير دقيق في خرائط الأوروبيين القديمة، حيث كانوا يفتقرون إلى المعرفة التفصيلية عن آسيا الوسطى والشمالية. هذه الفجوة المعرفية خلقت تربة خصبة للخيال. فبدلا من اعتبار هذا الغموض نتاجا طبيعيا لنقص المعلومات، يذهب مروجو النظرية إلى تأويله على أنه دليل على “إخفاء متعمد” لحضارة عظيمة، وهو ما يجعل السردية مقنعة وجذابة للجمهور الذي يشعر بعدم الثقة في الروايات الرسمية.

II. “تارتاريا” الحقيقية: المصطلح الجغرافي الذي أصبح أسطورة
لم تكن “تارتاريا” في أي وقت من الأوقات إمبراطورية سياسية موحدة، بل كانت تسمية جغرافية فضفاضة، استخدمها الأوروبيون في العصور الوسطى والحديثة للإشارة إلى منطقة شاسعة وغير مكتشفة في آسيا، تمتد من بحر قزوين وجبال الأورال شرقا إلى المحيط الهادئ، وتغطي مساحات واسعة من سيبيريا وآسيا الوسطى، و صولا إلى مناطق من الصين والهند وفارس. كان استخدام المصطلح شائعا بشكل خاص في الأدبيات وخرائط القرن الثامن عشر والتاسع عشر.
1- التسمية
ارتبطت هذه التسمية في المخيلة الأوروبية بأصولها التاريخية المزعجة. فبعد الغزوات المغولية المدمرة في القرن الثالث عشر، والتي نشرت الرعب في أوروبا، أضيف حرف “ر” إلى كلمة “تاتار” لتصبح “تارتار“، في إشارة متعمدة إلى “تارتاروس“، وهو عالم الجحيم في الأساطير اليونانية. هذه التسمية العمدية عكست نظرة استعلائية وسلبية تجاه شعوب المنطقة، و اعتبرتها شعوبا همجية و بربرية. ومع تزايد المعرفة الجغرافية لدى الأوروبيين، بدأوا في تقسيم هذه المنطقة المجهولة إلى أقسام فرعية أكثر دقة، مثل “تارتاريا الروسية” لسيبيريا، و”تارتاريا الصغرى” لشبه جزيرة القرم، و”تارتاريا الصينية” لمنشوريا، و”تارتاريا المستقلة” لغرب آسيا الوسطى.
2- الاسلام
في حقيقة الأمر، كانت هذه المنطقة موطنا للعديد من الشعوب التركية و المغولية، التي لم تخضع يوما لسلطة مركزية بهذا الاسم. وقد انتشر الإسلام في أوساط هذه الشعوب قبل قرون طويلة من التوسع الروسي، حيث اعتنق العديد من الخانات والقبائل الإسلام، وكانت عاصمة التتار القديمة، قازان، قد دخلها الإسلام قبل عام 922 للميلاد.
3- السياق التاريخي
هذا السياق التاريخي الحقيقي يوضح كيف يتم تكييف النظرية لمخاطبة روايات المظلومية التاريخية. فبعد نشأتها في سياق قومي روسي مزيف، تم “أسلمتها” بشكل متعمد عند وصولها إلى الجمهور العربي، من خلال ربطها بسردية أوسع حول الحضارة الإسلامية المنسية. هذا التكييف ليس عشوائيا، بل يمنح النظرية صدى عاطفيا، حيث يتردد صدى الادعاء بأن “روسيا سرقت” تاريخ تارتاريا و طمست وجودها مع مشاعر الغبن التاريخي لدى الكثير من المتابعين. وبذلك، تتحول النظرية من مجرد “تاريخ بديل” إلى “قضية” تلامس الهوية الثقافية، مما يضمن انتشارها و تجذرها في سياقات مختلفة.

III. أسطورة “إمبراطورية تارتاريا”: تفاصيل مؤامرة العصر الرقمي
ظهرت نظرية “إمبراطورية تارتاريا” في شكلها الحديث كنظرية مؤامرة من خلال ثلاثة أعمدة رئيسية للادعاءات:
1- بناء الأسطورة: الجذور الروسية والتطور العالمي
تتتبع الأصول الحديثة لهذه النظرية إلى أعمال “التاريخ الجديد” للمؤرخين الزائفين في روسيا، مثل أناتولي فومينكو ونيكولاي ليفاشوف، في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين. كانت هذه الحركة تهدف إلى إعادة كتابة التاريخ الروسي من منظور قومي، لتقدم “تارتاريا” كـ”الاسم الحقيقي لروسيا” الذي تجاهله الغرب عمدا. ومع ذلك، فقد تم إحياء النظرية على نطاق واسع عبر الإنترنت منذ حوالي عام 2016، لتكتسب بعدا عالميا بعيدا عن أصولها الروسية، وتتحول إلى ما يشبه “ثقافة الميم” القائمة على الصور والمقاطع المرئية.
2- الأعمدة الثلاثة للادعاءات
العمارة المتقدمة:
يزعم مروجو النظرية أن المباني المزخرفة من “العصر المذهب” في أمريكا، والمباني النيوكلاسيكية في روسيا وأوروبا، وحتى الأهرامات والقلاع النجمية، هي في الواقع من بقايا هذه الحضارة المفقودة. يدعون أن هذه المباني بنيت بتكنولوجيا تفوق العصر، مثل “الطاقة الحرة“، وأنها لم تكن لتبنى بالتقنيات البدائية المتاحة في القرن التاسع عشر. هذا الادعاء يستند إلى نظرة قاصرة على العصر، حيث يرفض مروجو النظرية التفسير التاريخي البسيط لأنهم غير قادرين على استيعاب القدرة الهائلة للعصر الذي سبقهم. فهم ينظرون إلى الصور القديمة التي تظهر عربات الخيل والعمال اليدويين، و يستنتجون خطأ أن مثل هذه المباني الضخمة لا يمكن أن تكون قد شيدت في ذلك الوقت، متجاهلين التقدم الهندسي والمعماري الذي كان قائما بالفعل.
“الطوفان الطيني” ككارثة عالمية:
تتمحور هذه النظرية حول فكرة أن كارثة مجهولة، عبارة عن طوفان من الطين، اجتاحت العالم ودمرت حضارة تارتاريا ودفنت مبانيها العظيمة حتى الطابق الأول أو الثاني، وهو ما يفسر وجود أبواب ونوافذ جزئيا تحت مستوى سطح الأرض.
“التاريخ المزيف” و”إعادة التعيين”:
يزعم مؤيدو النظرية أن “قوى عالمية” متعمدة، وعلى رأسها الإمبراطورية الروسية، قامت بتدمير حضارة تارتاريا وطمس آثارها، مستغلين الحروب العالمية لتغطية ذلك، ثم أعادوا “تعيين” التاريخ بالكامل بما يخدم مصالحهم.

IV. تفنيد ادعاءات النظرية: بين العلم والأسطورة
التفسيرات العلمية والأكاديمية ادعاءات نظرية “تارتاريا” بالكامل، وتقدم تفسيرات منطقية وموثقة لما يراه المؤيدون “أدلة” على وجودها.
1- الهندسة المعمارية: أصول أوروبية موثقة
إن الأنماط المعمارية التي ينسبها مروجو النظرية إلى “تارتاريا المفقودة” ليست سوى جزء من تاريخ معماري موثق. فالعديد من المباني التي تعرض كدليل هي في الواقع أمثلة على العمارة النيوكلاسيكية (الكلاسيكية الجديدة)، وهي حركة فنية ازدهرت في أوروبا خلال القرن الثامن عشر. هذه الحركة كانت رد فعل على الإفراط في زخرفة العمارة الباروكية والروكوكو، واستمدت إلهامها من اكتشافات علم الآثار في روما القديمة واليونان. أما “القلاع النجمية” التي يزعمون أنها كانت تقنية تارتارية، فهي في الحقيقة تطور طبيعي للهندسة العسكرية الأوروبية بدأ في القرن الخامس عشر لمواجهة تطور المدفعية. تم تصميم هذه الحصون على شكل نجوم لتقليل النقاط العمياء وتوفير حماية أفضل من القصف. قام ببنائها مهندسون عسكريون أوروبيون مشهورون مثل سيباستيان لو بريستر دو فوبان، وانتشرت في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك روسيا والولايات المتحدة.
2- “المباني المدفونة” بين طوفان الطين والواقع الجيولوجي
تقدم نظرية “الطوفان الطيني” تفسيرا خياليا لظاهرة المباني المدفونة، لكن الحقائق الجيولوجية والتاريخية تقدم تفسيرات أكثر واقعية ودقة:
الردم والتسوية (Urban Regrading):
قامت العديد من المدن حول العالم بـ”تسوية” تضاريسها بشكل متعمد لتسهيل حركة المرور وتجنب الفيضانات. ففي مدينة سياتل الأمريكية، على سبيل المثال،. تم نقل ملايين الأطنان من التراب لرفع مستوى الشوارع،. مما أدى إلى دفن الطوابق الأرضية للمباني القديمة. هذه المشاريع الهندسية الضخمة كانت موثقة تاريخيا.
الترسيب الطبيعي:
يعد تراكم الغبار و الأوساخ و الأنقاض على مر القرون عملية طبيعية تؤدي إلى ارتفاع منسوب الأرض. فكلما عاش الناس في مكان ما، تسببوا في ارتفاع مستوى الأرض تدريجيا من خلال أنشطتهم اليومية وبقايا مبانيهم.
هبوط التربة (Subsidence):
المباني الثقيلة التي لم تبنى على أساسات صخرية صلبة قد تغوص في التربة ببطء بسبب وزنها أو بسبب تسرب المياه الجوفية،. مما يؤدي إلى هبوط الأساسات وتصدع الجدران وظهور أجزاء من المبنى كأنها مدفونة.
إن التفسيرات العلمية لظاهرة هبوط المباني، التي تشمل الهندسة المدنية والجيولوجيا وعلم الآثار، تتطلب جهدا فكريا للتعلم والفهم. على النقيض، فإن نظرية “الطوفان الطيني” تقدم قصة بسيطة، شاملة، ومثيرة، ترجع كل الظواهر إلى سبب واحد خارق. هذه الرواية تلبية حاجة نفسية عميقة لدى البعض للبحث عن تفسيرات بسيطة للأحداث المعقدة،. وتقدم لهم شعورا بامتلاك “معرفة سرية” لا يمتلكها الآخرون.

V. أبعاد النظرية الثقافية والاجتماعية
بعيدا عن الحقائق، فإن انتشار نظرية “تارتاريا” يعكس أبعادا ثقافية واجتماعية أعمق.
1- توظيف الرواية الإسلامية
يظهر التحليل كيف أن النظرية استعارت عناصر من التاريخ الحقيقي،. مثل وجود إمارات و خانات إسلامية في مناطق آسيا الوسطى،. لتوظيفها في سردية زائفة تمنحها شرعية وجاذبية إضافية. هذا التلاعب بالعناصر التاريخية الحقيقية يسهل على المتابعين تصديق الرواية برمتها،. و يمكنها من الانخراط في خطاب أوسع حول الصراع الحضاري أو الظلم التاريخي.
2- دور منصات التواصل الاجتماعي
تلعب منصات مثل يوتيوب و تيك توك دورا محوريا في انتشار هذه النظرية. هذه المنصات تفضل المحتوى القائم على “ثقافة الميم” (Meme Culture)،. حيث تكون الصور ومقاطع الفيديو المثيرة أكثر أهمية من السرد المتماسك. هذا يسمح للنظرية بالانتشار كـ”أجزاء” منفصلة، مثل صورة لقبة، أو مقطع لباب مدفون،. دون الحاجة إلى تقديم قصة كاملة أو موثقة. هذه المرونة تجعل النظرية صعبة التفنيد،. حيث يمكن دائمًا تقديم “دليل” جديد في شكل صورة أو فيديو، بغض النظر عن سياقه.
3- النظرية كمرآة للانزعاج من الحداثة
يرى خبراء أن نظرية “تارتاريا” تعكس حالة من “الاستياء الثقافي” من الحداثة. فمن خلال التركيز على جماليات العمارة التقليدية، تضع النظرية “تارتاريا” في منزلة “يوتوبيا” مفقودة،. أي عالم كان أكثر جمالا وتناغما و توازنا قبل أن تدمره “قوى الشر” التي تقود العالم الآن. هذا التباين بين الماضي المثالي والحاضر المعقد. يربط النظرية مباشرة بنظريات مؤامرة أخرى، مثل “كيو أنون” (QAnon) ونظرية “إعادة التعيين الكبرى”،. والتي تشترك جميعها في نفس الخيط: هناك قوى خفية تسيطر على العالم وتخفي حقائقه.

VI. خاتمة: تارتاريا من الجغرافيا إلى الخيال
في نهاية المطاف، يكشف هذا التحقيق أن “تارتاريا” هي قصة منقسمة بين عالمين. فمن ناحية، هناك “تارتاريا” الحقيقية، وهي مصطلح جغرافي تاريخي استُخدم لوصف منطقة شاسعة في آسيا،. كان يقطنها شعوب متنوعة، من بينها قبائل مسلمة، على الرغم من أنها لم تكن يوما إمبراطورية موحدة. ومن ناحية أخرى، هناك “إمبراطورية تارتاريا“،. وهي نظرية مؤامرة حديثة لا أساس لها من الصحة في الأدلة الأكاديمية أو السجلات التاريخية. إن المباني والقلاع التي تنسب إليها هي في الواقع جزء من تاريخ معماري و هندسي موثق،. بينما الظواهر التي تقدم كـ”أدلة” هي تفسيرات غير دقيقة لعمليات جيولوجية وهندسية معروفة.
إن فهم هذه الظاهرة ليس مجرد نقد لنظرية تاريخية،. بل هو تحقيق في كيفية تشكيل المعرفة وتداولها في ظل ثورة المعلومات. تنجذب العقول إلى القصص الساحرة والأجوبة البسيطة لألغاز معقدة، والحنين إلى “عصر ذهبي” لم يكن موجودا قط. لذا، يبقى التسلح بالتفكير النقدي والاعتماد على المصادر الموثوقة هو الوسيلة الوحيدة للتمييز بين الحقيقة والأسطورة في العصر الرقمي، كل هذا وأكثر تعرف عليه من خلال موقع تريندات.
