الفريق أول بحري سليمان عزت: مؤسس البحرية المصرية الحديثة.. قصة البطل الذي كتب “سنة سعيدة” على أول قذيفة باتجاه تل أب يب
بقلم: باهر رجب
عندما يلتقي الإخلاص للوطن مع العزيمة النادرة، يولد الأبطال الذين لا تنطفئ أنوارهم في سماء المجد. الفريق أول بحري سليمان عزت، ذلك الرجل الذي حمل على كتفيه مسؤولية تأسيس أقوى سلاح بحري في المنطقة، لم يكن مجرد قائد عسكري عادي، بل كان مدرسة في الوطنية والتفاني والشرف العسكري.
في هذه السطور، نحاول أن نرسم صورة إنسانية وعسكرية لأحد أبرز أبطال مصر، ذلك البطل الذي ترك بصمة لا تمحى في تاريخ القوات المسلحة المصرية، والذي ظل اسمه يتردد في كل احتفالية وكل مناسبة وطنية.

الفريق أول بحري سليمان عزت: البداية.. طموح منذ الصغر
في 16 أبريل 1910، ولد سليمان عزت في القاهرة، ليكون أحد أبناء هذا الجيل الذي حمل على عاتقه هموم الوطن في مرحلة دقيقة من تاريخ مصر الحديث . التحق بالكلية الحربية وتخرج فيها عام 1931، ليبدأ رحلة طويلة من العطاء والتضحية .
لم تكن رحلة سليمان عزت في البحرية مجرد عمل عسكري، بل كانت شغفا حقيقيا بالبحر، فقد عمل في بحار العالم عندما كان طالبا ثم ضابطا مبعوثا من مصر ليتدرب لسنوات في البحرية البريطانية، حيث اكتسب خبرات فريدة جعلته لاحقا المؤهل الأهم لبناء البحرية المصرية الحديثة .

في حرب فلسطين.. أولى بوادر البطولة
شارك سليمان عزت في حرب فلس طين عام 1948، وقدم خلالها نموذجا فريدا في الشجاعة والجرأة. فقد قاد مع الفريق محمود ناشد السفينتين “نصر” و”مصر”، وقاما بقصف ميناء تل أب يب ردا على خرق إس رائيل للهدنة .
اللافت في هذه العملية أن سليمان عزت كتب على أول قذيفة أطلقها على تل أب يب باللغة الإنجليزية عبارة “سنة سعيدة”، وذلك لأن الهجوم كان ليلة رأس السنة الميلادية . استمر الهجوم لمدة 13 دقيقة بواقع 92 قذيفة، واستمرت المعركة لثلاث ساعات في 1 يناير 1949، وعادت البعثة بسلام بعد أن نفذت المهمة أهدافها بنجاح .
معهد تكنولوجيا المعلومات يطلق «Build with AI» لتمكين 5 آلاف مطور
بناء البحرية المصرية الحديثة
بعد ثورة يوليو 1952، أصبح سليمان عزت أول قائد للبحرية المصرية في العصر الجمهوري . لكن اللافت أنه أعلن معارضته للثورة في بدايتها بعبارته الشهيرة “لا ملكية.. لا ولاء”، إلا أن الثورة تعاملت معه كرمز ورائد، فكان أن أصبح رئيس أركان البحرية ثم قائدا للقوات البحرية .
يعتبر الفريق أول سليمان عزت المؤسس الحقيقي للبحرية المصرية الحديثة. ففي عهده، انتقلت البحرية المصرية من مجموعة زوارق و كاسحات خشبية و فرقاطتين إلى غواصات و مدمرات و لنشات صاروخية و لنشات طوربيد و ضفادع بشرية وصواريخ ساحلية .
كما أسس الكلية البحرية الحديثة التي كانت تعد أكبر معهد علمي عسكري في ذلك الوقت، بالإضافة إلى مراكز التدريب المجهزة وورش الصيانة والإصلاح التي لم يكن لها مثيل في مصر .

الفريق أول بحري سليمان عزت: قصة الشرف والعزة.. استقالة لا تنازل
الفريق أول بحري سليمان عزت – في حرب 1967، حققت القوات البحرية المصرية كافة المهام المكلفة بها ولم تصب بأي خسائر . بل إن وحدات الحراسة البحرية تمكنت من إحباط محاولة للضفادع الإس رائيلية للاغارة على ميناء الإسكندرية .
لكن سليمان عزت كان رجلا لا يعرف المساومة على مبادئه. بعد نكسة 1967، قدم استقالته رغم أن القوات البحرية لم تتضرر ولم يطلب منه التنحي . أصر على الاستقالة رغم أن الفريق أول محمد فوزي عندما عين قائدا عاما للقوات المسلحة طلب منه سحب استقالته .
لم يصدر قرار بإقالته كما حدث مع قادة الأفرع الأخرى، لأنه لم يهزم، لكنه أصر على موقفه حتى قبل الرئيس جمال عبد الناصر استقالته .
اقرأ أيضا
التأمينات الاجتماعية” تطلق منظومة إلكترونية
تكريم الدولة.. وفاء للأبطال
لم تنسَ مصر أبدا فضل هذا القائد العظيم. فقد كرمته الدولة بأكثر من شكل، ليبقى اسمه خالدا في سجلات التاريخ العسكري المصري.
أولا: إطلاق اسمه على دفعات عسكرية
أطلق اسم الفريق أول سليمان عزت على الدفعة 98 من خريجي الكلية الحربية المصرية . كما أطلقت الدولة اسمه على الدفعة 98 بحرية .
ثانيا: تكريم عسكري نادر
حمل اسمه أول زورق صواريخ من طراز “أمباسادور أم كي 3” الذي دخل الخدمة في البحرية المصرية بعد تسلمه من الولايات المتحدة في 19 نوفمبر 2013، في حفل أقيم بقاعدة بينساكولا البحرية بولاية فلوريدا .
يعد زورق الصواريخ “سليمان عزت” أول قطعة وأول سلاح شبحى يدخل في الجيوش العربية قاطبة، وصمم خصيصا لسلاح البحرية المصرية، وهو الأول من نوعه في العالم، ويعد أحد أسرع القطع البحرية العسكرية، مزود بثلاثة محركات ديزل تصل سرعتها القصوى إلى 41 عقدة بحرية .
ثالثا: أوسمة وأنواط
حصل الفريق أول سليمان عزت على العديد من الأوسمة التي تعكس تقدير الدولة له، منها:
· الميدالية التذكارية لحرب فلس طين 1948 .
· نوط الاستقلال عام 1956 .
· الوسام العسكري من الدرجة الأولى عام 1961 .
· وسام النيلين من الطبقة الأولى .
· وسام الاستحقاق السوري من الدرجة الممتازة .
· الوسام التذكاري لقيام الجمهورية العربية المتحدة .
رابعا: توثيق تاريخه
في إطار حرص الدولة على توثيق تاريخ أبطالها، أعلنت مكتبة الإسكندرية أن موقع “ذاكرة مصر” حصل على المجموعة الأرشيفية الخاصة بالفريق أول سليمان عزت، والتي أهداها حفيده الأستاذ سليمان محمد سليمان عزت .
وهو رابع قائد للقوات البحرية المصرية يدخل ضمن ذاكرة مصر المعاصرة، بعد كل من الفريق أول فؤاد ذكرى، والفريق محمود فهمي، والفريق شريف الصادق .
خامسا: كوبري الفريق سليمان عزت
أطلقت محافظة الإسكندرية اسمه على كوبري جديد (تم بدء تشغيله في مارس 2026) يربط شارع مصطفى كامل بالطريق الدولي،
مواقف إنسانية لا تنسى
لم يكن سليمان عزت قائدا عسكريا ناجحا فقط، بل كان نموذجا في الشجاعة المدنية أيضا. فقد قام بإلقاء القبض على محمود العيسوي عوض الله قاتل الدكتور أحمد ماهر باشا عام 1945، وجرده من سلاحه، حيث تصادف وجوده في البرلمان في ذلك الوقت .
أما في المجال الرياضي، فقد حقق إنجازا تاريخيا غير مسبوق. حيث حصل النادي الأولمبي في عهده لأول مرة على بطولة الدوري العام لكرة القدم. كما أنقذ نادي سموحة بشكل ثوري خلال تلك الفترة .
رحيل الجسد وبقاء الروح
توفي الفريق أول سليمان عزت في 25 يوليو 1970، ليفارق الحياة بعد أن ترك إرثا عسكريا ووطنيا خالدا .
لكن روحه ظلت حاضرة في كل مناسبة وطنية. ففي احتفالات الدولة بالذكرى الثانية والأربعين لحرب أكتوبر المجيدة عام 2015. قام الرئيس عبد الفتاح السيسي بزيارة قبر الجندي المجهول. و قرأ الفاتحة على أرواح شهداء مصر الذين ضحوا بحياتهم فداء للوطن .
رسالة إلى الأجيال الجديدة
الفريق أول سليمان عزت لم يكن مجرد اسم في سجلات التاريخ، بل كان مدرسة في الوطنية والإخلاص. تعلمنا منه أن الانتماء للوطن ليس مجرد شعارات، بل أفعال وتضحيات. و أن الشرف العسكري ليس منصبا أو رتبة، بل سلوك ومواقف. تعلمنا منه أن العزة الحقيقية هي أن نرفض الهزيمة حتى في لحظات الانكسار.
الختام.. ذكرى خالدة
في كل احتفالية بعبور السادس من أكتوبر، والعاشر من رمضان وفي كل مرة يذكر فيها تاريخ البحرية المصرية. يبقى اسم سليمان عزت حاضرا كواحد من أعظم من صنعوا مجد هذا الوطن. رحم الله الفريق أول بحري سليمان عزت. ذلك البطل الذي كتب اسمه بحروف من نور في سجلات الخالدين.
