الصحفي في مصر: تعريف مشتت بين كارنيه النقابة و تهمة الانتحال
كتب باهر رجب
الصحفي في مصر في مشهد إعلامي تتقاطع فيه السلطة مع المهنة، يظل السؤال الأكثر إلحاحا وإشكالية: من هو الصحفي في مصر؟ الإجابة ليست مجرد تعريف أكاديمي، بل هي قضية تتعلق بالحقوق والحماية والاعتراف، وغالبا ما تستدعى كأداة للمساءلة أكثر من كونها وصفا لممارسة مهنية.

ازدواجية التعريف: الصحفي في مصر
تعيش المهنة الصحفية في مصر تحت وطأة تناقض صارخ. فكثيرا ما تتعامل الجهات الرسمية مع الصحفيين على أنهم “أصحاب كارنيه”، و تختزل الحق في التغطية في هذه البطاقة وحدها. المفارقة تكمن في أن هذا التعريف نفسه يختفي عندما يتعلق الأمر بمنح الحماية القانونية أو تسهيل المهمات، ولكنه يظهر فجأة وبقوة في سياق الاستدعاءات الأمنية أو التحقيقات.
تتكرر الحكاية: يمنع صحفي أو صحفية من تغطية مؤتمر أو حدث بسبب عدم حمل كارنيه النقابة، ولكن إذا نشر تقريرا لاحقا حول نفس القضية وواجه مساءلة، فسيعامل على أنه “صحفي” لأغراض الملاحقة و التجريم. هذه الازدواجية لا تضر بالأفراد فحسب، بل تفرغ الصحافة من دورها كخدمة عامة و كحق أساسي للمجتمع في المعرفة.
ترانيم الجذور: كيف نصمد حين تهتز الأرض من تحتنا
إطار تشريعي متقادم في عصر رقمي
يقف القانون المنظم للمهنة عند عتبة عام 1970. صدر قانون نقابة الصحفيين رقم 76 لسنة 1970 في زمن كانت فيه الصحافة المطبوعة التقليدية تهيمن على المشهد، قبل ظهور الإنترنت والمواقع الإلكترونية والصحافة الرقمية والمراسلين المستقلين بأشكالهم الحالية.
على الرغم من هذا التحول الجذري، لا يزال التعريف القانوني للصحفي والممارسة المهنية رهين ذلك الإطار القديم، مما يخلق فجوة هائلة بين الواقع المعاش والنظام القانوني الذي يفترض أنه ينظمه.
تنظيم بلا اعتراف: مفارقة الصحافة الرقمية
في محاولة لمواكبة العصر، أصدرت الدولة منظومة تشريعية جديدة، أبرزها قانون تنظيم الصحافة والإعلام رقم 180 لسنة 2018، الذي أنشأ المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام. نظمت هذه القوانين عمل المواقع الإلكترونية و أخضعتها لترخيص ورقابة المجلس، وهو ما يمثل اعترافا رسميا بوجود كيانات صحفية رقمية.
لكن هذه الصورة التنظيمية تخفي إشكالا عميقا: فالدولة تعترف بالكيان الرقمي و تنظمه، ولكنها غالبا ما ترفض الاعتراف بالعاملين فيه كصحفيين بحق، إلا إذا كانوا حاملين لكارنيه النقابة التقليدية. وهكذا يتحول التنظيم إلى إجراء شكلي، حيث يعترف بالمنصة ولكن يترك العاملون فيها في فراغ قانوني يسهل استدعاؤهم فيه فقط عند المساءلة.
اقرأ أيضا
الأسد: رحلة السقوط من عرش الغابة إلى قفص السيرك
كارنيه النقابة: البوابة الوحيدة و الأداة الأكثر إقصاء
في الواقع العملي، ترسخ مفهوم أن الصحفي الحقيقي هو من يحمل عضوية نقابة الصحفيين فقط. هذا المفهوم يستبعد فئات كبيرة، أبرزها:
العاملون في المواقع الإلكترونية المرخصة، وهم اليوم المصدر الأول للأخبار لغالبية المصريين مع التراجع الحاد للصحف الورقية.
المراسلون المحليون لوكالات أنباء أجنبية أو عربية، رغم أن بعضهم يحصل على بطاقة من المركز الصحفي للهيئة العامة للاستعلامات.
الصحفيون المستقلون و مقدمى المحتوى في العصر الرقمي.
يستخدم “الكارنيه” كمعيار إداري سهل، لكنه غير عادل، لتمييز من يحق له الحصول على المعلومات أو تغطية الأحداث. وتزداد حدة هذا الاستبعاد في المحافظات خارج القاهرة، حيث تميل الجهات التنفيذية إلى تشديد السيطرة على تدفق المعلومات.
تهمة جاهزة: متى يكون الصحفي “منتحلا للصفة”؟
في غياب تعريف قانوني واضح ومحدث، تطفو على السطح تهمة “انتحال صفة الصحفي”، وهي جنحة يعاقب عليها القانون. الخطر يكمن في الانزياح الدلالي لهذه التهمة. فانتحال الصفة يعني الادعاء الكاذب، بينما الممارسة الفعلية والمنتظمة للعمل الصحفي داخل كيان معترف به – حتى لو كان إلكترونيا – هي ممارسة مهنية قائمة بذاتها، لا انتحالا.
ومع ذلك، تتحول هذه التهمة إلى سلاح يمكن استخدامه ضد من يمارسون المهنة خارج الإطار النقابي التقليدي، خاصة عند القيام بتغطيات حساسة أو نشر أخبار تزعج جهات معينة.
حبس الصحفيين: اختراق للضمانات الدستورية
يكشف الواقع عن فجوة خطيرة بين النص الدستوري والممارسة. فالدستور المصري ينص على عدم جواز العقوبات السالبة للحرية في قضايا النشر، ولكن نرى تطبيقات متكررة للحبس الاحتياطي ضد صحفيين على خلفية أعمالهم.
قضية فارس فؤاد، الصحفي بموقع “القاهرة 24″، خير مثال. ففي يناير 2026، قبض عليه من منزله، وقررت النيابة حبسه احتياطيا على ذمة اتهامه بنشر أخبار كاذبة، بعد نشره خبرا عن اختطاف استند إلى بلاغ رسمي. رفضت النقابة هذا الإجراء وطالبت بإخلاء سبيله، مؤكدة أن الحبس في قضايا النشر يمس جوهر العمل الصحفي وحق المجتمع في المعرفة.
معضلة البدل الحكومي: العائق الخفي أمام التحديث
وراء الجدل القانوني والمهني، يلوح عامل اقتصادي وسياسي معقد. فالحكومة تمنح أعضاء نقابة الصحفيين “بدل تدريب وتكنولوجيا”. وهو مبلغ شهري يعتبر دخلا حيويا للكثيرين في ظل تدني رواتب المؤسسات الصحفية.
يشكل هذا البدل مصدر قلق للحكومة من أي توسيع كبير في عضوية النقابة. لأنه سيزيد من الأعباء المالية، وربما يمنح شرعية وحماية لصحفيين في منصات قد لا تلتزم بالخط التحريري الرسمي. كما يخشى بعض الأعضاء الحاليين من أن يؤدي فتح الباب أمام العاملين في المواقع الإلكترونية. حتى لو كمنتسبين بلا حق في البدل أولا – إلى المطالبة به لاحقا، مما يقلص حصتهم.
الصحفي في مصر: كيف يمكن تعريف الصحفي اليوم؟
لا يمكن ترك تعريف من يمارس واحدة من أهم المهن في المجتمع عرضة للمزاجية أو الازدواجية. الحل يبدأ من الاعتراف بأن الممارسة المهنية الفعلية هي المعيار الأساسي. وأن عضوية النقابة هي إطار تنظيمي و حمائي مهم، لكنه ليس بديلا عن حقيقة الممارسة.
يمكن صياغة تعريف عصري وواقعي: الصحفي/ة هو من يمارس بانتظام نشاطا مهنيا قائما على جمع المعلومات والتحقق منها وإنتاج مادة تحريرية (مكتوبة، أو مسموعة، أو مرئية) ونشرها للجمهور. وذلك إما داخل كيان صحفي منظم/مرخص (بما في ذلك المواقع الإلكترونية المسجلة). أو في إطار ممارسة مستقلة موثقة بأرشيف نشر و تكليفات واضحة.
مسارات للإصلاح: الصحفي في مصر
لتحقيق ذلك، لا بد من السير في مسارات متوازية:
1- مسار تشريعي: مراجعة وتحديث تعريف “الصحفي” و”مزاولة المهنة” في القوانين. ليعكس واقع الثورة الرقمية ويشمل العاملين في المنصات الإلكترونية المرخصة.
2- مسار إداري عاجل: إصدار توجيهات واضحة لجميع الوزارات والهيئات والمحافظات بعدم الاكتفاء بكارنيه النقابة معيارا وحيدا للتعامل مع الصحفيين. والاعتراف بخطابات التكليف من المؤسسات الصحفية المرخصة (بما فيها الإلكترونية).
3- مسار مهني: فتح مسارات واقعية وعادلة للعاملين في الصحافة الرقمية للانضمام إلى نقابة الصحفيين. ربما عبر عضوية منتسبة في البداية، مع وضع معايير موضوعية لذلك.
في النهاية، السؤال “من هو الصحفي؟”. ليس سؤالا تقنيا فحسب، بل هو اختبار لالتزام الدولة بحق المجتمع في المعرفة. و لرغبتها الحقيقية في بناء مؤسسات قوية تحمي المهنة ولا تخاف منها. الصحافة الحقيقية، أينما مورست وبأي وسيلة، هي ضمانة للمجتمع، وليست تهمة جاهزة.
