أعلنت الساعة السكانية التابعة للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، اليوم، عن وصول عدد سكان مصر بالداخل إلى 107 ملايين و500 ألف نسمة، ما يعني زيادة نصف مليون نسمة منذ أن سجلت الساعة عدد سكان بلغ 107 ملايين في 2 نوفمبر 2024. وتأتي هذه الزيادة خلال فترة زمنية قصيرة نسبيًا، بلغت 154 يومًا فقط، مما يثير التساؤلات والتحديات حول النمو السكاني السريع في البلاد وتأثيراته المتعددة على الاقتصاد، والخدمات العامة، والموارد الطبيعية، وخطط التنمية المستدامة تابع مع تريندات المزيد.
كتب : هاني سليم
تسارع النمو السكاني في مصر
ووفقًا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، فقد تم تسجيل ربع مليون نسمة إضافية بعد الرقم 107 مليونًا في 13 يناير 2025، أي بعد 72 يومًا فقط من تسجيل الرقم السابق. أما الربع مليون الثانية، فقد تحققت خلال 82 يومًا، وهو ما يُظهر أن معدل الزيادة لا يزال مرتفعًا، بل مستمرًا في التسارع.
الساعة السكانية تدق ناقوس الخطر
هذا التنامي السريع في عدد السكان يُشكل ضغطًا كبيرًا على البنية التحتية للدولة، خصوصًا في ظل التحديات الاقتصادية التي تواجهها مصر، وزيادة الفجوة بين الموارد المتاحة واحتياجات المواطنين، لا سيما في مجالات حيوية مثل التعليم، والرعاية الصحية، والإسكان، والوظائف.

توزيع السكان: القاهرة أولاً والجيزة تليها
تُظهر الإحصاءات أن الكثافة السكانية تتركز بشكل ملحوظ في عدد محدود من المحافظات، حيث لا تزال محافظة القاهرة تتربع على رأس قائمة المحافظات الأكثر ازدحامًا، بإجمالي عدد سكان بلغ 10.4 مليون نسمة، وهو ما يمثل نسبة كبيرة من إجمالي السكان في مصر. وتُعَد القاهرة العاصمة السياسية والإدارية، إلى جانب كونها المركز الاقتصادي والثقافي الأول في البلاد، ما يجعلها وجهة أساسية للهجرة الداخلية من باقي المحافظات.
تأتي محافظة الجيزة في المرتبة الثانية بعد القاهرة، حيث سجلت عدد سكان بلغ 9.7 مليون نسمة، تليها محافظة الشرقية بـ 8.1 مليون نسمة، ثم الدقهلية بـ 7.2 مليون نسمة، ثم البحيرة بـ 7 ملايين نسمة. أما المنيا، فقد سجلت عددًا سكانياً يبلغ 6.5 مليون نسمة، تليها القليوبية بـ 6.3 مليون نسمة، ثم سوهاج بـ 5.9 مليون نسمة، والإسكندرية بـ 5.6 مليون نسمة، وأخيرًا الغربية بـ 5.5 مليون نسمة.
ويظهر من هذه الأرقام أن وجه بحري والصعيد يحملان العبء الأكبر من الكثافة السكانية، بينما تأتي المحافظات الحدودية الأقل كثافة.
محافظات تتجاوز حاجز الـ 5 ملايين نسمة
بالإضافة إلى العشر محافظات الأعلى في التعداد السكاني، تظهر أرقام أخرى هامة لمحافظات كبيرة تجاوز عدد سكانها الخمسة ملايين، منها:
• أسيوط: 5.2 مليون نسمة
• المنوفية: 4.8 مليون نسمة
• الفيوم: 4.2 مليون نسمة
• كفر الشيخ: 3.8 مليون نسمة
• قنا وبني سويف: 3.7 مليون نسمة لكل منهما
وتعكس هذه الأرقام التركيبة الديموغرافية لمصر، حيث يعيش غالبية السكان في الوادي والدلتا، مع وجود محدود نسبيًا في المناطق الصحراوية أو الحدودية، وهو ما يُشكّل تحديًا لخطط التوسع العمراني التي تحاول الحكومة تنفيذها في المناطق الجديدة مثل المدن الذكية والعاصمة الإدارية الجديدة.

المحافظات الأقل سكانًا
على الطرف الآخر، تظل بعض المحافظات الحدودية أو الصحراوية ذات كثافة سكانية منخفضة نسبيًا، مثل:
• أسوان: 1.7 مليون نسمة
• دمياط: 1.6 مليون نسمة
• الإسماعيلية: 1.5 مليون نسمة
• الأقصر: 1.4 مليون نسمة
• السويس: 806.6 ألف نسمة
• بورسعيد: 800 ألف نسمة
• مطروح: 579.6 ألف نسمة
• شمال سيناء: 469 ألف نسمة
• البحر الأحمر: 413.4 ألف نسمة
• الوادي الجديد: 272.8 ألف نسمة
• جنوب سيناء: 118.2 ألف نسمة
ورغم المساحات الشاسعة التي تملكها تلك المحافظات، إلا أن الكثافة السكانية فيها لا تزال منخفضة بسبب عوامل متعددة تشمل الطبيعة الجغرافية، ونقص الخدمات، وصعوبة التوطين، وقلة فرص العمل.
تداعيات الزيادة السكانية: ضغط متزايد على التنمية
الزيادة السكانية المستمرة تُعد من أبرز التحديات التي تواجه الدولة المصرية في الوقت الراهن، وقد شدّد الرئيس عبد الفتاح السيسي مرارًا على أن الزيادة السكانية تلتهم نتائج التنمية، وتحدّ من قدرة الدولة على تحسين مستوى معيشة المواطنين بشكل فعلي.
تشير تقديرات الخبراء إلى أن كل زيادة بمقدار مليون نسمة تفرض على الدولة توفير:
• أكثر من 100 ألف فرصة عمل جديدة سنويًا
• إنشاء مدارس ووحدات صحية ومراكز خدمات
• توسيع شبكة المواصلات والبنية التحتية
• توفير سلع غذائية مدعومة وخدمات عامة
كما تؤثر هذه الزيادة على الموارد المائية في بلد يعاني بالفعل من ندرة المياه، ويعتمد على نهر النيل بنسبة تفوق 90% من احتياجاته، في ظل تحديات متصاعدة تتعلق بالتغيرات المناخية وسد النهضة.
جهود الدولة لمواجهة النمو السكاني
أطلقت الدولة عددًا من المبادرات لمحاولة السيطرة على النمو السكاني، من بينها:
• برنامج “2 كفاية”، الذي يستهدف تقليل معدل الإنجاب خاصة في المناطق الريفية
• التوعية من خلال الإعلام والمؤسسات الدينية بأهمية تنظيم الأسرة
• إدراج خدمات تنظيم الأسرة ضمن منظومة التأمين الصحي
• توجيه جهود التنمية نحو المجتمعات الجديدة والمناطق الصحراوية لتخفيف الضغط عن الوادي والدلتا
ومع ذلك، ما تزال الحاجة ملحة لتكثيف الجهود ورفع كفاءة برامج التوعية، خصوصًا في القرى والنجوع التي تشهد معدلات إنجاب مرتفعة، مما يُعطل تحقيق أهداف التنمية المستدامة 2030.

هل تشهد مصر انفراجة ديموغرافية قريبًا؟
يرى بعض المتخصصين في الديموغرافيا أن التحدي لا يكمن فقط في عدد السكان، بل في معدل النمو وسرعته، والقدرة على استيعاب هذه الزيادة في سوق العمل والخدمات العامة. كما يُشيرون إلى أن تركيبة السكان مهمة للغاية؛ فارتفاع نسبة الأطفال والشباب في مقابل انخفاض نسبة كبار السن قد يُمثّل ميزة ديموغرافية إذا تم استغلالها بالشكل الصحيح، من خلال التعليم والتدريب والتشغيل.
في المقابل، يرى آخرون أن التراخي في السيطرة على النمو السكاني سيؤدي إلى أزمة سكانية خانقة خلال السنوات القادمة، ما لم يتم اتخاذ إجراءات أكثر صرامة وجدية.
تحدٍ مستمر يحتاج إلى حلول شاملة
الأرقام الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء اليوم لا تحمل فقط إحصاءً رقميًا، بل تعكس اتجاهًا ديموغرافيًا يستحق الوقوف عنده بجدية. فبينما تحتفل مصر ببلوغها 107.5 مليون نسمة بالداخل، تبرز في الأفق أسئلة ملحة حول قدرة الدولة على الاستجابة لهذا التنامي السكاني، وضرورة مواءمة خطط التنمية مع واقع يتغيّر بوتيرة متسارعة.
في هذا السياق، تبدو السياسات السكانية المتكاملة ضرورة لا غنى عنها، تجمع بين التوعية، وتمكين المرأة، وتوفير الخدمات الصحية والتعليمية، وتشجيع التنمية في المناطق الأقل ازدحامًا.
ومع اقتراب مصر من حاجز الـ 110 ملايين نسمة، تبقى الإرادة السياسية، وتعاون المواطنين، وتكامل الجهود الحكومية والمجتمعية، هي الأسس التي يمكن البناء عليها لمواجهة هذا التحدي الديموغرافي الهائل
البطالة وتكدس سوق العمل
الزيادة السكانية المتسارعة تعني أيضًا دخول ملايين من الشباب إلى سوق العمل سنويًا، ما يشكل تحديًا ضخمًا في ظل محدودية فرص التوظيف، خاصة في القطاع الرسمي. وتشير التقديرات إلى أن مصر بحاجة لتوفير أكثر من 700 ألف فرصة عمل سنويًا لمجاراة نمو القوة العاملة.
ورغم الجهود المبذولة لتشجيع ريادة الأعمال، وتنمية قطاع المشروعات الصغيرة والمتوسطة، فإن العديد من الشباب لا يزال يواجه صعوبة في الحصول على عمل مستقر أو لائق، وهو ما ينعكس على مؤشرات الفقر، والاستقرار الأسري، وزيادة معدلات الهجرة غير الشرعية.
وهنا، تبرز الحاجة إلى ربط التعليم بسوق العمل، وتطوير المهارات الرقمية والمهنية، وتوفير حوافز للشركات لتوظيف الشباب، بالإضافة إلى تعزيز الاقتصاد الإنتاجي بدلاً من الاقتصاد الاستهلاكي، لضمان استيعاب الطاقات البشرية المتزايدة.
المرأة مفتاح الحل السكاني
من الجوانب المحورية في المعادلة السكانية، دور المرأة. إذ تؤكد الدراسات أن تمكين المرأة وتعليمها يمثلان خط الدفاع الأول في مواجهة الزيادة السكانية. فكلما زاد معدل تعليم النساء، كلما انخفض معدل الإنجاب، وزادت فرص العمل والمشاركة الاقتصادية.
ومع أن الدولة أطلقت مبادرات متعددة مثل “تمكين المرأة” و”تكافل وكرامة”، إلا أن التحدي لا يزال قائمًا في المناطق الريفية والصعيد، حيث تسود أنماط ثقافية تقليدية تحد من دور المرأة، وتدفع نحو الزواج المبكر، والإنجاب المتكرر، وضعف المشاركة في سوق العمل.
ولذلك، فإن رفع الوعي بأهمية تنظيم الأسرة، وتوفير خدمات صحية وإنجابية مجانية وآمنة، وتعزيز مكانة المرأة في المجتمع، تمثل خطوات ضرورية إذا أرادت الدولة السيطرة على النمو السكاني.
الإعلام والدور الغائب في التوعية السكانية
رغم خطورة القضية السكانية، إلا أن تناولها إعلاميًا لا يزال محدودًا أو موسميًا. فالكثير من البرامج والمنصات لا تخصص وقتًا كافيًا لتوضيح تداعيات الزيادة السكانية، أو نشر التوعية بأهمية تنظيم الأسرة، أو تغيير المفاهيم المغلوطة المرتبطة بإنجاب عدد كبير من الأبناء.
في المقابل، يمكن للإعلام أن يكون شريكًا أساسيًا في التصدي لهذه الظاهرة، من خلال إنتاج محتوى جذاب ومؤثر، يستهدف الشباب والنساء في الريف والحضر، ويُظهر الجانب الإيجابي من الأسر الصغيرة، ويكسر التابوهات المرتبطة بمفاهيم “العزوة” و”الولد سند”.
مقارنة دولية: كيف نجحت دول أخرى في التحكم السكاني؟
عند النظر إلى تجارب الدول الأخرى، نجد نماذج ناجحة يمكن الاستفادة منها، مثل إيران، وبنغلاديش، وتونس، وإندونيسيا. جميعها واجهت تحديات سكانية كبيرة في مرحلة ما، لكنها تمكنت من خفض معدلات الإنجاب من خلال حملات توعية مكثفة، وتحسين وضع المرأة، وربط الدعم الحكومي بتنظيم الأسرة.
ففي إيران، على سبيل المثال، تم ربط صرف الإعانات بعدد الأبناء، كما أُطلقت حملات توعية دينية وطبية كبيرة، أدت إلى انخفاض عدد الأطفال في الأسرة الواحدة من 6 إلى أقل من 2 خلال عقدين فقط.
بينما في تونس، كان لتعليم المرأة، وتوفير وسائل منع الحمل مجانًا، دور كبير في تحقيق تراجع حاد في معدل الخصوبة، وهو ما ساهم في تحسين مؤشرات التنمية.
كلمة أخيرة: السكان قوة إذا أُحسن استثمارها
في النهاية، لا يمكن النظر إلى السكان كعبء دائم. فالدول التي نجحت في تحويل الكثافة السكانية إلى قوة اقتصادية، مثل الصين والهند، اعتمدت على الاستثمار في الإنسان، وتحويل الكم إلى نوع.
ومصر، التي تملك واحدة من أكبر الكتل البشرية في العالم العربي والأفريقي، يمكن أن تُحوّل هذا التحدي إلى فرصة، إذا وُضعت خطط واقعية وشاملة، تُراعي الجانب الثقافي والاجتماعي إلى جانب الاقتصادي.
لكن تبقى المعادلة واضحة: لا تنمية بدون ضبط النمو السكاني، ولا تقدم بدون تخطيط ديموغرافي رشيد. وبينما تدق الساعة السكانية ناقوس الخطر، تبقى الإجابة في يد كل مواطن، وكل مؤسسة، وكل قرار يتخذ اليوم لصناعة غد أفضل.