الذاكرة الموسيقية  في عصر الرقمنة .. دراسة نموذجية في نموذج يوسف شوقي

كتبت/ ماريان مكاريوس

الذاكرة الموسيقية .. شهدت الجلسة العلمية التي أدارها الدكتور رامي حداد من الأردن مشاركة متميزة من عدد من الباحثين العرب، من بينهم الشلي من تونس، ومحمد سلطان اليوسفي من اليمن، ومن مصر كل من الدكتور إيهاب صبري والدكتورة سهيلة عبد المعطي. وقد قدّم الدكتور إيهاب صبري، ممثلًا عن أكاديمية الفنون المصرية، ورقة بحثية نوعية بعنوان “تمثلات الذاكرة الموسيقية المصرية في عصر الرقمنة – دراسة توثيقية لنموذج يوسف شوقي”، تناول فيها العلاقة المعقدة بين الموسيقى والذاكرة، في ظل التحولات التقنية المتسارعة التي يشهدها العالم المعاصر.

مفهوم الذاكرة الموسيقية المصرية

تسعى الورقة إلى استكشاف مفهوم الذاكرة الموسيقية المصرية بوصفها أحد أشكال الوعي الجمعي الذي يتجلى في النتاج الموسيقي، ويتطور عبر المراحل التاريخية والاجتماعية والثقافية. وتستند الدراسة إلى تحليل التحولات التي أحدثتها الرقمنة في طرائق حفظ الموسيقى المصرية وتداولها، مع محاولة بناء نموذج توثيقي معاصر يضمن استمرارية هذا التراث في البيئة الرقمية.

يركّز الدكتور إيهاب صبري في بحثه على ثلاثة محاور رئيسة: أولها توثيق التراث الموسيقي المصري في ضوء الإمكانات الرقمية، وثانيها فهم التحولات البنيوية التي فرضتها الرقمنة على عملية التلقي والإنتاج الموسيقي، وثالثها تحليل تمثلات الذاكرة الموسيقية في أعمال الموسيقار يوسف شوقي، بوصفه نموذجًا يمثل صلة الوصل بين الجيل الأكاديمي المحافظ على الهوية والجيل الذي انفتح على الوسائط الرقمية الحديثة.

ويُبرز البحث أن الذاكرة الموسيقية ليست مجرد تراكم للألحان والأنغام، بل هي منظومة ثقافية وجمالية تعبّر عن هوية المجتمع المصري ووعيه التاريخي. ومن هذا المنطلق، يرى الدكتور صبري أن توثيق هذه الذاكرة لا يقتصر على حفظ التسجيلات أو تدوين النوتات، بل يتجاوز ذلك إلى تحليل البنية الجمالية والفكرية للموسيقى المصرية في سياقها الاجتماعي، وإعادة إنتاجها ضمن منظومة رقمية تتيح الوصول المفتوح، مع الحفاظ على أصالتها.

حياة الموسيقار يوسف شوقي

كما يعرض البحث لمحة عن حياة الموسيقار يوسف شوقي، الذي يُعد أحد أعمدة التأليف الموسيقي الأكاديمي في مصر، إذ جمع في أعماله بين الحس القومي المصري والتأثر بالتقنيات العالمية في التوزيع والتأليف. ويقدم الدكتور صبري نماذج تحليلية لبعض أعمال شوقي، مبينًا كيف انعكست فيها عناصر الذاكرة الموسيقية المصرية، من خلال التراكيب اللحنية والإيقاعات المستوحاة من الموروث الشعبي، مع توظيف معاصر للأدوات الأوركسترالية.

وتخلص الدراسة إلى أن عملية الرقمنة لم تعد تقتصر على الحفظ الإلكتروني للأعمال، بل أصبحت فضاءً معرفيًا جديدًا يعيد تشكيل الذاكرة الموسيقية وفق آليات جديدة من التداول والاستهلاك. فالموسيقى التي كانت تُتناقل شفهيًا أو عبر التسجيلات المادية، أصبحت اليوم جزءًا من الذاكرة الرقمية الجمعية، ما يستدعي تطوير أدوات علمية ومنهجية للحفاظ على صدقية التراث وسط هذا الفيض التقني.

كيف نحافظ على الذاكرة الموسيقية

ويؤكد الدكتور إيهاب صبري في ختام بحثه أن الحفاظ على الذاكرة الموسيقية المصرية في العصر الرقمي يتطلب تضافر جهود مؤسسات التعليم الموسيقي والمكتبات الرقمية والأرشيفات الوطنية، إلى جانب وعي نقدي قادر على تحليل هذه التحولات وإدراك قيمتها التاريخية. كما يشدد على أهمية إنشاء قواعد بيانات موسيقية رقمية تتضمن الأعمال الموثقة والمؤرشفة وفق معايير علمية، بما يسهم في بناء مرجعية بحثية متكاملة تتيح للباحثين والمهتمين الاطلاع على التراث الموسيقي المصري في صيغته الحديثة.

تُبرز هذه المشاركة الأكاديمية الدور المتنامي الذي تلعبه أكاديمية الفنون المصرية في توثيق ودراسة التحولات الثقافية والموسيقية في ظل التطور التكنولوجي، كما تعكس وعي الباحثين بأهمية المزاوجة بين المنهج النقدي والتحليل التقني لضمان استمرار الهوية الموسيقية المصرية في مواجهة العولمة الرقمية. ومن خلال دراسة حالة يوسف شوقي، يفتح البحث أفقًا جديدًا لفهم تمثلات الذاكرة الموسيقية المصرية وكيفية صونها في زمن تتسارع فيه الإيقاعات وتتبدل فيه وسائل الحفظ والنشر والتلقي.

👁 عدد المشاهدات : 5,006

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *