تفتيت الصخرة الديمقراطية…يرتبط عودة اليمين المتطرف بكلا شقيه بإرث تاريخي قديم قوامه العنف و الإقصاء مما ينذر بانهيار كامل للحضارة الغربية، وعلى رأسها الديمقراطية اللبيرالية كلية تابع التفاصيل على تريندات.
للديمقراطية تاريخ واسع شائع ، تندرج تحتها الكثير من الحقب التاريخية والنظم السياسية و الاقتصادية من الحضارة الغربية ، والتي استلهمتها بدورها من الحضارتين اليونانية والرومانية التي سقطتا عقب تفشي عوامل مهددة للديمقراطية منها الدخول في حروب لا طائل منها ، أو التعصب و التطرف للآراء الأحادية أو تعديات متجاوزة للحدود المسموحة تستهدف خلخلة النظام الاجتماعي ، أو السياسة الداخلية ، مما يسمح بصعود أصحاب النزعات الانفصالية ، و الحادة شديدة الانفصال أو الطموح الجامح الذي يرتفع في الهواء ليطير ، و من ثم تنحدر إلي أن تموت بالبطيء ، أي بعبارة أخرى تسير وفق سنن التاريخ لكن تشوبها في آخر أيامها تجاوزات غير عادية و أحداث معجلة بنهايتها ، مطابقة أحداث تاريخ اليونان بشكل يدهش البعض من تكراره و مطابقته حتى على مستوى التفاصيل الدقيقة لتصبح مثلما يقول أفلاطون في الجمهورية “الترسيخ للحكم الخاطيء”.
فحينما كتب أفلاطون جمهوريته المثالية والشاعرية ، نوه لأصل الداء العضال الجارى في أنسجة الديمقراطية، كامنة في عدم التوفيق الجماهيري الذي سيعين الدكتاتور الظالم ، ليقوم بهدم الهيكلية الناظمة للمجتمعات ، فضلًا عن جنونه وطغيانه المفسد في الأرض والذي يغلق أو يمنع أي محاولة سليمة للتغيير ، و لعل هذا ما دفع اللورد أكتيون أحد أشهر منظري السياسة الغربية في كتابه تاريخ الحرية في العصور القديمة ، الذي أكد بيقينية مدهشة أن استفحال الحرية الفردية في العصور القديمة من اليونان حتى ظهور الإسلام كونت أرضية خصبة للقيم و الأخلاق المنحطة ، وعلى رأسها الدكتاتورية الشمولية.
فعلى مدار التاريخ ، انحرفت الديمقراطية عن مسارها المنطقي الفلسفي ، مخالفًا بعدة طرق منحدرة انتهت بعدة كوارث مثل الاعتقالات العشوائية ، وكذلك المجازر الدموية الممتدة عبر التاريخ، مكلفة أثمانًا باهظة للدول التي عانت من تلك العواقب الوخيمة مثل ألمانيا النازية ، و إيطاليا الفاشية.
فأي فكرة عن انهيار الديمقراطية الغربية لا ترد بسهولة لإن المعايير القائمة عليه يمكن التحايل عبر خداع و تضليل الناس ، حتى في أوقات الحروب ، ربما كان هذا سبب كافي ليجعل البروفسور فيليب تايلور في كتابه قصف العقول الذي يقول أن معظم الحروب اشتعلت بموافقة أكيدة أو خديعة مضللة و مدجنة ، حتى ظهر فرع الإعلام العسكري و الاتصال الحربي الذي طور من خلال استغلال الكوارث المؤسفة ، و المآسي الواقعية ما سوء حياة الملايين من الناس بطريقة تراجيدية ، فبعدها عملت أوربا و أمريكا على ردع العدوان على الديمقراطية لكن دون جدوى لوجود خلل بها من الرأس للقدم .
اقرأ ايضا: « حكايتنا حلوة » .. سهرة رمضانية استثنائية مع حميد الشاعري وهشام عباس
فوفقًا لأستاذ التاريخ المشهور و الفيلسوف بارتجتنون مور في كتابه الرائع “الأصول الاجتماعية للديمقراطية و الدكتاتورية “أن الأساس الذي يبنى عليه تلك العملتين اقتصادي اجتماعي ، و يرتبط لحد ما بالسياسة الداخلية ، و عمم بتفصيل وعمق أكاديمي جواني يشرح به ٤ عوامل رئيسية يرتبها كالآتي” التطرف التعندي والأحتكار الاقتصادي، ونزلية الدول، و أخيرًا “العقلية الرأسمالية المتطرفة “، و هو عين ما يتوفر في أوربا كلية فضلًا عن سيطرة اليمين المتطرف أو إعادة تصدره الكامل للمشهد السياسي في آخر عقد على الأقل نظرًا لحالة الفراغ و المحدودية التي تجعل الشرق كالغرب في استبداده الشمولي و رعونته السائلة التي تهدد الصنم الغربي .
إعادة خلق مزرعة الحيوان:حينما تقتل الديمقراطية نفسها بغبائها !!
طرح الكانب الإنجليزي الشهير جورج أوريل مسألة انتحار الديمقراطية عبر طغيانها الجماهري في روايتي ١٩٨٤ و مزرعة الحيوان على نموذجين بارزين يكشفا باختصار متجل وتكثيف مجمل ليتمثل للقارى العادي الأزمة المعقدة ، والحل السلس مما أدى لتقريب الخلل العميق فيها عبر مشهدي التصويت المهمل المتروك ، و كذلك الحشد الشعبي بتجديد الطاحونة كل مدى ليغلق المشهدين بدرامية شديدة ، و إيقاع سريع تحت ذريعة عديمة الجدوى و النفع ، أو بمعنى أدق قلتها المحسوسة على النظام نفسه، متأخذًا سلسلة مت التتبع الهادم لنظام منفرد يسمى مفاهيميًا “النظام عديم الرأس “، فضلًا عن ظروف ظهوره و بروزه بحق في مناخ محدود ظني التوجه فارغ النزعة مما يتماشى مع ظاهرة الشعبوية و التطرف العلماني و اليميني الجديد المطور من ماضي سحيق أفنى ثلثي ساكني الكوكب بين إصابات خطيرة ، و أموات جمة عقبها ظهور أيدولوجيات منحت تبريرات لتطرفين متوازيين بالصعود .
و من ناحية أخرى ، تمثلت تلك الرؤية الكونية عند اللحظة العربية في الربيع العربي ، و ما عقبها من العشرية الأخيرة التي كتب عنها السفير البريطاني كريس روز في كتابه “ثورة بلا رأس “ممارسًا العقبة المعرقلة للديمقراطية كنبع وتاريخ ، ألا و هي عدم التوافق بين الرأس المدير ، و الجسد السائر في أفلاك مختلفة تنتمي و تتصل إلي أن تنتهى بالانفصال السريع و التكسير المدوي بالتركيز على الحلم الأمريكي و الغربي في خديعة قاسية كتب عنها غي دوريدان أنها نمط “يراد به الترويج من دون “تحقيق المروج له بعد الحصول على المنفعة.
اقرأ ايضا: “الفن زي الفريك مايحبش شريك” انتصار تتحدث عن تضحيات الفنان في المجال الفني
ربما هذا الخداع أودى بالديمقراطية لليمين المتطرف بادئ الأمر لدى هتلر ووزير إعلامه جوبلز مع اتخاذ إجراءات صارمة وصعبة التفاعل معها ، وإنتهى في نهاية الأمر بانهيار النازي والفاشي، و فراغ أيدولوجي مصاحب لاختراع مجدف ، و متوازي مع إنكار تام للثوابت المؤسسة على يد زمرة من فلاسفة ما بعد الحداثة.
عزز الفراغ الفكري غير المحسوب ظهور نظريات نمائية من شأنها إبراز أزمات الفكر القومي حتى وصل الفكر المناهض لليمين لتطرف جديد حمل على عاتقه مسخ الهوية الإنسانية للأبد بشكل جذري ومثير للسخرية ، ممهدًا الطريق السلس لدراسته المعمقة من اليمين ، و إعادة إنتاج أفكار اليمين بصبغة شعوبية محببة جماهرية ، مما سرع عملية إنتاج “شديدة السرعة و إعادة التدوير “بحد تعبير هانز فينر مولر أستاذ النظرية السياسية في جامعة برستنون الأمريكية في كتابه ما الشعبوية ، دافعًا لفريضة مفادها أن الديمقراطية اللبيرالية انتهت بفعل نفسها أي بعبارة أخرى الإطلاق المفتخر فيها .
و لهذا السياق التاريخي ، عادت الموجة الحمراء من جديد في تحول مزلزل ينسف قواعد ظلت لعقود طويلة محل تقديس أو على الأقل اتفاق ، لكن الأمر تبدل جذريًا بشكل مكثف في البنية السياسية للغرب نفسه، طارحًا سؤال ضخم المجالات يدق عقل مفكري الغرب ، و بخاصة اللبيرالين منهم حول نهاية الديمقراطية في الغرب ، وإمكانية ظهور البديل الديناميكي المناسب ليجيب المنظر السياسي كارل شميت قبيل ٨٠ عامًا بالثبوت الانهياري ، فينقل عنه أستاذ العلوم السياسية ديفيد رانسمان في كتابه نهاية الديمقراطية أن تلك السياسة الغربية باءت بالفشل في تحقيق أهدافها المنوط بتحقيقها ، فستنتحر دون أن تترك البديل الأكثر جدارة بالتطبيق .
تغلب التوابع الكبرى في القصة الشعبية التقليدية التي تحكي عن الأفعى التي أنهت صاحبها للضغط المصحوب بالقمع الفاشي ، و التي انتهت إلي أن تنهي الأفعى صاحبها بمنتهى الوحشية ، والفاشية ببث سمها فيه ، و هكذا الطغيان المكمن في الديمقراطية اللبيرالية التي ركزت على أساسين الحرية و الحق الفردي الذي أكد الباحث شون روزبيرغ في مؤتمر علم النفس السياسي عام ٢٠١٩ أنها مدمرة تمامًا من خلال توضيح صعود اليمين المتطرف مؤخرًا بعدما قضي عليه فترة تقدر بالأكبر في التاريخ إلا أن عودته بها أزمة متجذرة يركز فقط على قيم الولاء و الانتماء الصارم .
بلورت تلك القيم الأخلاقية أساس الشر و الحقد المضطغن تحت إشراف الدولة ،و هنا يعود الأستاذ الفخري في السياسة رونالد جلاسميان في كتاب هل تصلح الديمقراطية للقرن الحادي و العشرين لحقيقة قوية مفادها أن الخلل الرئيسي للأزمة الحديثة عامة و هي عدم وجود بديل يجيب المطالب ، فاللجوء لليمين يعتبره جلاسيمان مقدمة لنسف الغرب نفسه، عبر العديد من الإجراءات المزلزلة للقواعد السياسية والآفاق الاقتصادية المستمرة و الحية لتنتهي مثلما فسرها الكاتب محمد نعيم عبر وصف اليمين المتطرف بأنه لا طائل له من الأساس “لما يعتريه “من أصول فاشية تسير بعكس المجتمع الأوربي كافة .
و تعكس هذه الهستريا الغربية بالديمقراطية جنوح نحو النقيض تمامًا ، فليس هناك معيار تاريخي ثابت تبنى عليه فكرة الديمقراطية قانونيًا غير الرؤية اللاهوتية للجماهير ، فضلًا عن عدم دقة هذا المعيار كذلك لوجود أساليب غسيل الدماغ و أدلجته المتناقضة القادرة على جمع الآراء المتضاربة ، حتى قال عنها البروفسور الأمريكي ريتشارد ويكارت في كتابه من داروين إلي هتلر أنها تضاهي “السحر في كفاءتها “، و لهذا يحذر دائمًا من ترك المجال للعام للأذواق العامة من دون حماية حقيقة و رؤية مصلحية جامعة تحت مظلة واحدة حتى لا تشهد انهيارًا كاملًا أينما يحدث بوضوح كامل في حاضرنا مثلما عبر أوزلوند أشبنجلر في تدهور الحضارة الغربية.
ولعل هذا الانهيار العميق صاحبه عدة هزات ، ثغرات تاريخية في السياق التاريخي جعلت من اللبيرالية مآلاتها التطرف ، و مقابلتها التطرف الديني، مما عكس رغبة انتقامية واسعة تحدث عنها الصحفي سي جي ولريمان في كتابه صعود التطرف العلماني ممثلًا إياها في زيادة الهجمات الإرهابية المختلفة ، المركزة بالأصل على المسلمين المتزايدة منذ ١١سبتمبر ٢٠٠١م بوتيرة معتمدة .
يتشابه هذا العداء الدفين للآخر بمختلف توجهاته بالعصر الوسطى التي طالما غنى الغرب بتركها و هجرها ، لكنه استبدلها فقط مع اختلاف التوصفيات السياسية و الاقتصادية التي لا تزال تحمل مكامن هدمها النهائي و الأبدي ، مما يعيد ملاحظة المؤرخ الهولندي يوهان هويزنخيا في كتاب في ظلال الغد الذي صدم أن هتلر و جوبلز قد شجعوا ديمقراطيًا لمجرد أنهم “أشباه ” الديمقراطيين ، مع التركيز على جعلها صنمًا من العجوة يسهل استخدامه وفق معايير النظام الحاكم في الدولة ، أينما كان هذا ، و تلك العقلية تواجه تحديات جمة أهمها لفها في دوائر مفرغة من المحاولات الفاشلة و المفلسة دون جدوى أو بديل حقيقي مجدي ، بل و الأنكى أنهم يغلقون الأبواب بأقفال من حديد و أغلال موصدة ، خالقين حالة من السجن المغلق بعناية فائقة تعيد الغرب لعصوره الوسطى المعبرة عن حقيقته المجردة في سلطويته المطلقة .