ملامح النصر وملاحم العزة ومن أنين اليأس إلى صناعة المستحيل 

 

 

انتصار أكتوبر… رمضان الأكتوبري شهر العزة والكرامة .. فتمر بنا السنوات وتدور بنا ذكريات المحافل الرمضانية الأكتوبارية لتجدد في أذهاننا أيام الفخر والعزة .

 

بقلم : د. رحاب أبو العزم

 

في العاشر من رمضان لعام 1393هجريًا الموافق السادس من أكتوبر لعام 1973م لم تكن المدافع وحدها تتحدث بل تكلم التاريخ وصفحاته المشرفة ليعلن ميلاد فجر جديد لأمة كادت يُظلمها العار ونكسة الهزيمة، يطل علينا شهر أكتوبر لنردد ذكرى قصيدة مجد حفرت في العقول والصدور؛ تتحدث أبياتها عن التحول من الخذلان إلى الكرامة، ومن اليأس إلى الأمل، ومن الفرقة العربية الإسلامية إلى الوحدة العربية الإسلامية، ومن أياد فرادى إلى وحدة الصف. لقد ولدت حكاية ستظل تفاصيلها تتردد على ضفاف قناة السويس وفوق جبال سيناء وعلى صحرائها لتحدث الأجيال عن معنى انتفاضة وطن من براثن الهزيمة إلى شموخ النصر، وتسرد لهم ملاحم العزة التي سُجلت بدماء الشهداء، وترسم لهم ملامح مستقبل مشرق.

 

أهمية النصر وإنعكاساته الإقتصادية

 

لقد جاء انتصار أكتوبر ليبعث روح اليقين للشعوب بأن قوتها في إيمانها بالله وقوته وعدله وفي تمسكها بعزتها ووحدتها ، ولتبرهن للبشرية أن القوة ليست في السلاح وحده بل في الإرادة الإنسانية التي لا تنكسر، وأن اجتماع البلاد على قلب واحد ويد واحدة لهو السبيل إلى تغيير موازين العالم، وبأن الدماء التي تروي الأرض لا تُهدر بل تسجل كلمات العزة والكرامة عبر سجل التاريخ.

وعلي صعيد النتائج العسكرية

فلقد أعاد نصر أكتوبر للجيش المصري هيبته، وبرهن للعالم أن قواته على اختلاف مراتبها قادرة على التخطيط العلمي البارع، وعلى تنفيذ أعقد العمليات العسكرية وأشدها خطورة؛ فلقد كان العبور نموذجًا لتخطيط عسكري استراتيجي أبهر زعماء العالم، وكان نموذجًا فريدًا اعترف العسكريون بأنه لن يتكرر، وقد وضع الانتصار الأكتوبري معادلات جديدة في العلوم العسكرية يتدارسها العسكريون حتى الآن، كما أعاد للمقاتل المسلم والعربي ثقته في نفسه وعقله وفي وطنه؛ ذلك الوطن الذي يأبى النكسة والانكسار، وأثبت النصر بأن التعاون والوحدة والتكاتف قادرون على تغيير موازين القوى بما يوافق الحق والعدل.

ولقد امتدت إيجابيات نصر أكتوبر ليصبح نقطة تحول في مسار الاقتصاد المصري والعربي؛ فقد أبرمت معاهدة السلام التي أسفرت عن استرداد سيناء الحبيبة بما فيها من ثروات زراعية وسياحية على اختلاف أنواعها، وباستردادها عادت إلى مصر آبار النفط والغاز، وبدأت البلاد لتوجيه تخطيطها العلمي إلى بناء الاقتصاد التنموي، وإلى إعمار الوطن، وتقوية مكانته الاقتصادية في مجال التصنيع والزراعة، وفي البنيان العمراني، وفي مجال التصدير والاستيراد، واستردت مصر مكانتها الاقتصادية بين العالم بل صارت موطن جذب للاستثمار الأجنبي وخاصة في مجال السياحة والتصنيع. وتوجه القائمون على البلاد بالإمكانيات المالية لبناء الجامعات العسكرية والمدنية على اختلاف التخصصات لإيمانها بقوة العلم وأهميته لتحقيق كل نصر على تنوع مجالاته، وتوجه الإعلام الاقتصادي ليعلن للعالم عن بناء وطن حر يمتلك مقدراته وأرضه ويفتح أبوابه لكل استثمار تحت راية الأمن والسلام.

 

ما نتعلمه من نصر رمضان أكتوبر

 

ولذا لم يكن أكتوبر مجرد صفحة مضيئة في سجل التاريخ المصري بل كان ولازال عنوانًا مشرفًا لتحرير وبناء الأرض المصرية، ولا يذكرنا بما فعله الآباء والأجداد فحسب بل يُلقي بعبء استكمال المسيرة على عاتقنا؛ لنعبر بمصرنا إلى المكانة التي تليق بها وبتاريخها وحضارتها مؤمنين بأن العزة ليست ثروة تهبط من السماء على النائمين بل هي الثروة التي تنتزع من الجهل بالعلم، ومن البطالة بالعمل، ومن الفقر بقوة الاقتصاد. إن نصر الآباء والأجداد لن يكون تاريخًا يطوى عبر صفحات النسيان بل هو فرض علينا أن نحييه دائمًا بالتطور التكنولوجي، والتقدم العلمي، والعمل الدؤوب في مجال الصحة والصناعة والزراعة والتعمير لنكون خير ذرية لجيل أكتوبر 73.

👁 عدد المشاهدات : 5,000

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *