كتبت: زينب النجار
نحن لا نعيش عصر السوشيال ميديا، نحن نعيش عصر المحاكمة العلنية ، عصر يُحاكم فيه الإنسان بلا ذنب، ويُدان بلا دفاع، ويُشنق بتعليق ، في هذا الزمن، صار الهاتف منصة قضاء، وصار الكيبورد سلاحًا أبيض، وصارت القسوة “رأيًا”، والإهانة “حرية تعبير”، نقف صفًا واحدًا، نرمي الحجارة الرقمية، ونعود لبيوتنا مطمئنين ، كأننا لم نكسر إنسانًان نُحاكم المشاهير على ملامحهم، نفتش في وجوههم عن التجاعيد، نعدّ سنوات أعمارهم كأنها خطايا، ونسأل بوقاحة فجّة..
هو أتغيّر؟ كبر؟ شكله تعبان؟”
ننسى أو نتغافل أن التغيّر حق، وأن كل بني آدم على وجه الأرض يمر به، فالعمر رحلة لا تستثني أحدًا، تبدأ بطفولةٍ بريئة، ثم شبابٍ مفعمٍ بالقوة، ثم نضجٍ يحمل التعب، وصولًا إلى شيخوخةٍ هادئة، لا تُنقص من قيمة الإنسان شيئًا.
هذه المراحل لم تُخلق للفنان وحده، بل كُتبت على البشر جميعًا، لأن التغيّر قانون الحياة، لا عيبًا يُسخر منه،
ولا جريمة تستحق المحاكمة.
وأن التعب إنساني، وأن العجز ليس فضيحة، بل نهاية طبيعية لطريق طويل، من قال إن الشهرة تعني الخلود؟
من أقنعنا أن الفنان لا يشيخ، ولا يمرض، ولا ينهك، ولا ينكسر؟ في زمن السوشيال ميديا، لم نعد نرى الإنسان… نرى صورة، ونتعامل معها كسلعة أنتهت صلاحيتها، وإن تجرأ أحدهم على أن يكون إنسانيًا، أن يدعم، أن يقف بجوار غيره، أن يقول كلمة خير، تبدأ حفلة السخرية؛ الدعم صار رياءً، والنية صارت محل تشكيك، والخير أصبح مادة للتهكم.

كما لو أن القسوة هي الفضيلة الوحيدة المتبقية؛ ما يحدث مع فنانين كُثر وليس حالة فردية ، هو أنعكاس لمجتمع؛ أعتاد الهجوم أكثر من الفهم، والتشكيك أكثر من الرحمة، والكسر أكثر من الأحتواء.
المأساة الأكبر أننا نتناسى أن وراء كل أسم مشهور، إنسانًا يعود إلى بيته آخر الليل، يخلع قناع القوة، ويجلس وحيدًا مع كلماتنا؛ وراءه أم قد تبكي، وأب قد يتألم في صمت، وأبناء يسألون:
“ليه الناس بتتكلم على بابا وماما كده؟” هل فكر أحد في هذا؟ أم أن الشاشة ألغت الإحساس، وجعلتنا نكتب بلا قلب؟ أين القيم؟ أين الأخلاق؟ أين التربية التي كانت تعلمنا
أن الكلمة أمانة، وأن الصمت أحيانًا نجاة؟ هل أخطأنا حين ظننا أن كل من يملك هاتفًا يملك وعيًا؟ أم أن الأجيال الجديدة تُربى على السخرية بدل الرحمة،وعلى الهجوم بدل الفهم؟ جيل يتقن الجرح، ويبرر أذاه بجملة باردة: “ما هو مشهور يستحمل.”
لا لا أحد يستحمل الإهانة. ولا أحد محصن ضد الأنكسار ؛ ولا الشهرة تُلغي الألم، ولا الضوء يمنع الظلام الداخلي الأكتئاب لا يفرّق بين مشهور ومجهول والوجع النفسي لا يسأل عن عدد المتابعين، والأنهيار يأتي صامتًا، بعد ألف تعليق، وألف سخرية، وألف طعنة مغلفة بالضحك. زمن السوشيال ميديا محكمة، لكنها محكمة بلا قانون، بلا ضمير، بلا عدالة. القاضي فيها غاضب، والحكم قاسٍ، والضحية دائمًا إنسان.
نحتاج قوانين؟ لكن قبلها نحتاج تربية جديدة. تربية تعيد للكلمة وزنها، وتُعلّم أن النقد لا يعني الإهانة، وأن الرأي لا، يعطيك حق كسر غيرك، قبل أن تكتب تعليقك القادم، أسأل نفسك بصدق: هل تقبل هذه الكلمات على نفسك؟
على من تحب؟ على من ربّاك؟ إن كانت الإجابة لا… فكفّ. فالكلمة قد لا تقتلك، لكنها قادرةعلى أن تقتل غيرك ببطء.
زمن السوشيال ميديا محكمة، لكن الرحمة ما زالت خيارًا، والإنسانية لم تمت، إلا إن نحن قتلناها بأيدينا.
