بنات االباشا .. من خلال مجموعة من القصص المتداخلة التي تدور داخل مركز تجميل يجمع عدداً من النساء المختلفات في الطباع والخلفيات، تكشف الأحداث حكايات هؤلاء النساء، منذ نشأتهن وحتى وصولهن إلى المركز، حيث تتقاطع قصصهن مع مصائرهن.
كتبت/ ماريان مكاريوس

هناك آية في الكتاب المقدس تقول: «إن لم تقع حبّة الحنطة في الأرض وتمت، فهي تبقى وحدها».
هذه الآية لا تُستَحضَر عبثًا، بل لأنها تختصر فلسفة كاملة عن الفداء، التحوّل، وضرورة المرور في نفق العتمة كي يولد الضوء.
وهذه الفلسفة هي قلب فيلم بنات الباشا، المأخوذ عن رواية الكاتبة نورا ناجي، والذي يقدّم للسينما المصرية نموذجًا نادرًا: عمل يعتمد على الأدب ليخلق لغة إنسانية موازية، ويمنح المشاهد فرصة العبور من الرواية إلى الشاشة والعكس.
الفيلم ليس مجرد سرد لقصص نساء في مدينة صغيرة، لكنه مرآة واسعة تعكس تشققات المجتمع، آلامه، ورغبة أفراده في النجاة مهما كانت التكلفة. كل شخصية في العمل تحمل جرحًا ما، وكل واحدة تخبّئ في قلبها حلمًا تآكل، أو كسرًا عميقًا، أو ثقلًا لم تعد تقوى على حمله. ومع ذلك، لا يفقد الفيلم حسّه الإنساني الدافئ؛ فهو لا يصدر أحكامًا، ولا يوزّع الاتهامات، بل يرصد فقط واقعًا يتسرّب من بين أصابعنا كل يوم دون أن ننتبه.
العودة إلى الأدب… والسينما التي تستعيد روحها
أحد أهم ما يقدمه الفيلم هو عودته إلى تقليد عريق:
الاقتباس الأدبي الحقيقي.
فرواية نورا ناجي ليست مجرد مادة خام، بل هي نواة العمل، الإيقاع الداخلي الذي يستند عليه الفيلم. هذا النوع من الأعمال يذكّرنا بأفلام أصبحت علامات لأنها خرجت من رحم الروايات. وهنا، يصبح الفيلم دعوة غير مباشرة لفتح صفحات الرواية، للعودة إلى اللغة الأولى التي نُسجت منها هذه الحكايات.
منذ المشهد الأول، يشعر المشاهد أن هناك عالمًا كاملًا سبق الصورة، وأن الشخصيات كُتبت أولًا بالحبر قبل أن تتحرك على الشاشة. وهذا ما يمنح الفيلم اتساعًا إنسانيًا قلّ أن يتحقق في أعمال تكتفي بالسطح، أو تكتفي بالحدث دون خلفيته.

نساء في مواجهة المجتمع: شظايا الأرواح
في بنات الباشا، لا نجد بطلة واحدة، بل مجموعة بطلات، أو بالأحرى مجموعة من الأرواح الممزقة بين ما تُريده وما يفرضه المجتمع.
كل شخصية تملك عمقًا وطبقة، وتقدَّم بطريقة تبتعد تمامًا عن التنميط أو الكليشيه.
نرى المرأة اللعوبة التي يختلط في ضحكتها شيء من الألم المخفي.
الاجئة و التي باتت مطمع من الكثيرين لجمالها
المرأة الواقفة على الحافة، تلك التي تعلم أن خطوة واحدة قد تغيّر مصيرها أو تنهيه و هي تري حبها يضيع و يتلاشي.
والمرأة اليائسة التي تتشبث بحلم متعب، حلم لا تعرف هل سينقذها أم سيبتلعها.
هذه النماذج ليست غريبة عن مجتمعنا، لكنها في الفيلم تُقدَّم بعمق ونضج وبُعد عن الميلودراما المجانية. يُشعرنا الفيلم بأن كل واحدة منهن تحمل العالم فوق كتفيها، وأن وراء كل حركة أو نظرة تاريخًا من المعاناة لا يحتاج إلى تفسير.
السوتير… الضوء الذي يظهر حين تشتد العتمة
وتأتي في قلب هذا العالم شخصية السوتير – المخلِّصة؛ امرأة لا تحمل عصًا سحرية، ولا تقدّم المعجزات، لكنها تملك نوعًا من النور الداخلي.
نورٌ صغير، لكنه يكفي ليمنح من حولها فرصة للتنفس ولرؤية الطريق.
السوتير ليست بطلة خارقة، بل واحدة من هؤلاء، لكن الفرق أنها قادرة على رؤية ما لا يراه الآخرون: الألم الحقيقي.
تعرف أن أقسى ما في الحياة أن تكون وحيدًا في وجعك، ولذلك تمتد يدها للجميع، وتفتح أبواب الصالون لا لتغيير الوجوه فقط، بل لتجميل الروح، ولو لساعة.
لكن العطاء المستمر يستهلك صاحبه، ولا أحد يستطيع أن يكون المخلِّص إلى الأبد.
ولأنها أعطت الكثير… بدا واضحًا أنها فقدت جزءًا من قوتها في الطريق.
ومع ذلك، تبقى هي الشرارة التي تنطلق منها الملحمة، والتي تمنح العمل عمقه الإنساني الأكبر.
طنطا… مدينة تقف بين زمنين
اختيار طنطا لم يكن اختيارًا عابرًا. فالمدينة هي بطلة أخرى من أبطال الفيلم.
طنطا، التي كانت يومًا من أجمل مدن الدلتا، مدينة ذات قلب نابض وروح قديمة دافئة، تحوّلت مع الزمن، كما تحوّلت مدن كثيرة، إلى مكان يعاني من اختناق العمران واختلالات المجتمع وضغط الحياة اليومية.
الفيلم يرصد هذه المدينة كما لو أنه يرصد امرأة فقدت جزءًا من جمالها لكنها ما زالت تحاول التشبث ببقايا الروح.
ومن أروع عناصر العمل كان اختيار سوسن بدر لتمثيل هذه الفكرة؛ حضورها وحده كافٍ ليجعل المدينة تنطق. فهي تحمل في ملامحها جمال الزمن القديم، وعمق التحوّلات، وثقل السنين، ورهافة الروح. أداؤها كان خفيفًا وثقيلاً في آن: خفيفًا بحرفيته، ثقيلًا بما يتركه من أثر.

صالون الباشا… العالم الموازي
من أجمل ما يقدّمه الفيلم هذا الانقسام بين عالمين:
المدينة التي تبتلع أبطال الحكاية،
وصالون الباشا… المكان الوحيد الذي يفتح نافذة على عالم آخر.
عندما تُفتح بوابة الصالون، يشعر المشاهد وكأنه يعبر إلى مساحة مختلفة تمامًا:
مساحة أنثوية، دافئة، مليئة بالأسرار والإفصاحات، ومشاعر لا تُقال خارج هذا المكان.
الصالون هنا ليس ديكورًا، بل ملاذًا، أمانًا مؤقتًا، غرفة اعتراف، ومسرحًا تتجاور فيه قصص النساء دون خوف من الأحكام.
في الخارج… المدينة صاخبة، قاسية، مُرّة.
وفي الداخل… جروح تُكشف، وقلوب تتكلّم، وخيوط خلاص تُحاك.
فيلم يستحق المشاهدة… رحلة لا تأتي قوتها من النهاية وحدها
تفاصيل الفيلم غنية ومتشعّبة، وكل محاولة للغوص فيها ستكون حرقًا للأحداث، ولهذا يبقى الأفضل أن تُشاهَد التجربة كاملة، لأن قوتها لا تأتي من النهاية فحسب، بل من الرحلة نفسها:
من نظرات النساء، من خيباتهن، من محاولاتهن للوقوف ثانية، ومن ذلك النور الذي يمرّ في أضيق اللحظات ليُعلن أن الحياة ما زالت ممكنة.
الفيلم يعرض ضمن فعاليات مهرجان القاهرة السينمائي فى دورته الـ 46، والذى يشارك فى مسابقة آفاق السينما العربية، بطولة صابرين زينة، ناهد السباعي، مريم الخشت و سوسن بدر.
بنات الباشا الماخوذ عن رواية لنورا ناجي.
تأليف و سيناريو و حوار محمد هشام ابوعبية
إخراج محمد العدل
عمل مميز مؤثر… مهم
