الست .. ردود أفعال واسعة النطاق أثيرت طيلة الفترة الماضية ، منذ طرح البرومو الخاص للفيلم السينمائى الجديد ” الست ” الذي يتناول بشكل مختلف مسيرة كوكب الشرق أم كلثوم تابع الخبر على تريندات.
كتبت / داليا حسام
وفوجئنا قبل عرض الفيلم بإنتقادات واسعة للنجمة منى زكى وصلت لدرجة التنمر منها .
وراح الكثيرين يبحثون عن هذه السيدة ومالم ينشر أويقال عنها ولماذا عادت للواجهة بهذا الشكل بعد مرور نحو 50 عاما علي رحيلها وهل هناك مايستدعى تقديم كل هذه الأعمال الفنية عنها ؟!!
البدايات طفلة ريفيّة تحمل فى صوتها مجرّات بعيدة
وُلدت فاطمة إبراهيم البلتاجى فى ديسمبر 1898 بقرية طماى الزهايرة بالدقهلية.
طفلة صغيرة تركض حافية فى طرقات القرية، لكن قدرها لم يكن بسيطًا مثل خطواتها الأولى.
كان والدها الشيخ إبراهيم، مُنشدًا صاحب صوت دافئ، يغنّى فى الليالى الشعبية، وحين سمع صوت ابنته وهى تردّد خلفه التواشيح، انتبه إلى جوهرة لم يكن يتوقع وجودها فى بيته المتواضع.
فى عمر تسع سنوات، كانت تقف بجوار والدها فى الليالى، ترتدى جلبابًا فلاحياً وتشُدّ فوقه عِمّة رجالى حتى لا ينكرها الجمهور فى زمن لم يكن يعرف وقوف البنات على مسارح الغناء.
ذلك التنكّر المبكر منحها شجاعة، وعلّمها أن الفن ليس للضعفاء.
كانت أم كلثوم تحفظ القرآن كاملًا، وتحفظ معه مخارج الحروف. تلك الهبة الإلهيّة ستصير بعد ذلك سرّ الدقّة المذهلة فى نطقها، وسرّ سحرها.
الانتقال إلى القاهرة لحظة مواجهة القدر
فى 1923، حملت الأسرة حلمها إلى القاهرة.
المدينة الضخمة لم تفتح ذراعيها فورًا، لكنها انبهرت بسرعة بالفتاة ذات الصوت الذى يشبه السيف المصنوع من ضوء.
تعرفت أم كلثوم على الشيخ أبوالعلا محمد، أحد أهم ملحّنى عصره، فتبنّى صوتها وقدّم لها أول دروس فى المقامات والغناء الراقى.
ثم التقت بمحمد القصبجى، الرجل الذى صاغ لها ثوبًا موسيقيًا لا يشبه أحدًا.
القصبجى كان يرى فيها مشروع “مدرسة غنائية”، لا مجرد مطربة، فرفع مستوى فرقتها، وغيّر طريقة غنائها، وقدّمها للجمهور بشكل ملكى.
وقتها بدأ شكل أم كلثوم يتغيّر
خلعت العِمّة والجلباب، وبدأت ترتدى فساتين بسيطة لكنها مُحكمة التفاصيل. كانت تكره الزينة المبالغ فيها، وتُفضّل الأناقة الصامتة.
وكانت مولعة بقماشة «الحرير الجورجيت»، وتحب تصميمات تحمل وقارًا يتماشى مع مشيتها الملوكيّة.
ثلاثينيات وأربعينيات القاهرة زمن بناء العرش
فى الثلاثينات، أصبحت أم كلثوم “النجمة الأولى” بلا منازع.
كانت حفلات الخميس التى تُذاع من الإذاعة المصرية تُعتبر “ليلة وطنية”.
تتوقف الشوارع، تُغلق الدكاكين، ويجتمع الناس أمام الراديو وكأن هناك صلاة تُقام بصوت يُطهر الروح.
تعاونها مع القصبجي… معلم المدرسة الأولى
هو أوّل من أدخل الآلات الغربية إلى فرقتها، وأول من قدّمها فى شكل موسيقى متعدد الطبقات.
لكن أم كلثوم كانت دائمًا حريصة أن تحتفظ بهويتها الشرقية، لذلك كانت تختار بعناية ما يناسب شخصيتها.
تعاونها مع زكريا أحمد… قلب الطرب الشعبي
معه استعادت جذور الغناء الشعبى الممزوج بالقوة والصدق.
أغنيات مثل هوّ صحيح الهوى غلّاب و الأولة فى الغرام صارت نماذج خالدة لما يمكن أن يصنعه صوت يمتلك الكون.
تعاونها مع بيرم التونسي شاعر الوجدان
بيرم كان روحها
كان يكتب لها كلمات تنطوى على حكمة وخفة ظل وعمق لا مثيل له.
كانت تقول عنه: «بيرم بيكتب اللى الناس بتحسه… واللى أنا أقدر أقوله بصوتى».
عبدالوهاب اللقاء الذي هزّ الزمن
ظلّ اللقاء مؤجّلًا 40 عامًا، حتى غنّت إنت عمرى فى 1964.
العمل لم يكن مجرد أغنية… كان “إزاحة ستار” بين مدرستين موسيقيتين عظيمتين.
ومع عبدالوهاب دخلت الأغنية العربية عصرًا جديداً، أكثر حداثة ورقّة.
أم كلثوم خلف الستار… البيت، الملابس، الإدارة، والحياة الخاصة
هذه هى الجوانب التى لا يعرفها كثيرون
أناقة مُحكمة لا تُرى إلا على المسرح
كانت تمتلك “غرفة كاملة” للفساتين فقط فكانت ترتدى فى كل حفلة فستانًا جديدًا، لكنها أحيانًا تعيد ارتداء فستان ليلة أخرى إذا شعرت أن الأغنية تحتاج لونًا أو طاقة معينة.
كانت تكره الملابس ذات النقوش الكثيرة. تميل للساتان والجورجيت والشييفون.
كانت تهتم بأسلوب الخياطة أكثر من شكل الفستان. الدقة عندها أهم من البهرجة.
اللون المفضّل لديها: الأزرق النيلى لأنه يهدّئ أعصابها ويليق على وقارها.
حياتها في منزلها… بساطة مدهشة
فى بيتها كانت تعيش حياة عادية جدًا: تستيقظ مبكرًا، تشرب قهوتها على مهل، وتقرأ الصحف.
كما كانت تحب النباتات وتعتنى بها بنفسها
فلم تكن تحب الضوضاء ولا الزيارات المفاجئة. البيت عندها “مكان للراحة”… لا للضيافة المستمرة.
كما أشتهرت بإدارتها إعمالها بذكاء رئيس دولة فكانت تدير فرقتها بنفسها، وتراجع الحسابات وتدقق فى الأرقام.
كانت تحفظ تفاصيل عقودها، وتعرف ترتيب كل آلة فى الفرقة.
وهى أول فنانة عربية أسست «شركة اسطوانات» خاصة بها، لتضمن حقوقها كاملة.
كانت حازمة جدًا… لكنها عادلة.
صداقاتها… علاقات قليلة لكنها راسخة
كانت صديقة مقرّبة لبهيجة حافظ، الفنانة المثقفة التى ساعدتها فى بداياتها.
كانت تجمعها علاقة احترام مع الملك فاروق، الذى كان يقدّر مكانتها.
وكانت تحترم بشدة الشيخ محمد رفعت وصوته، وترى أن جمال تلاوته “أقرب إلى الملائكة”.
من الحرب العالمية إلى ثورة يوليو… صوت دولة بأكملها
فى الأربعينات والخمسينات أصبحت أم كلثوم “قوة معنوية” للدولة.
غنّت للجيش، وللوطن، وساندت المصريين فى أزماتهم.
كانت بعد كل نكسة، تأتى بصوتها لتعيد ترتيب الجروح فى قلوب الناس.
المرض وصبر الجبال
أصيبت بالغدة الدرقية فى الخمسينات، مما أثر على صوتها.
لكنها كانت تُخفى ألمها ببراعة، وتواصل الوقوف على المسرح كأن شيئًا لا يحدث.
كانت تقول: «طالما الناس منتظرة صوتى… أنا قد المسئولية».
الرحيل اليوم الذي بكى فيه الشرق
فى 3 فبراير 1975، رحلت أم كلثوم.
خرجت القاهرة كلها تودّعها…
موكب جنازتها كان الأكبر فى تاريخ مصر بعد جنازة عبدالناصر.
كان الناس يعرفون أن رحيلها ليس نهاية مطربة بل نهاية عصر كامل.
كلمة أخيرة
أم كلثوم لم تكن مجرد صوت كانت “وجودًا”.
امرأة صنعت نفسها بنفسها، من طفلة تغنى فى ليالى القرية إلى أسطورة تقف على مسرح العالم.
علمت أجيالًا أن الفن قوة وأن الإصرار يصنع العروش.






