أحداث غزة .. منذ اللحظات الأولى لاندلاع أحداث السابع من أكتوبر 2023، تبنت الدولة المصرية بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي موقفاً استراتيجياً وإنسانياً ثابتاً،
بقلم: سيد البالوي
ارتكز الموقف المصري على ثلاثية: “رفض التهجير، نفاذ المساعدات، والحل العادل والشامل”. لم تكن الكلمات مجرد تصريحات دبلوماسية، بل كانت خطوطاً حمراء رسمت ملامح الصراع ومنعت تصفية القضية، وصولاً إلى النجاح التاريخي الذي تحقق في عام 2025.
أولاً: مرحلة إدارة الأزمة ورفض التصفية (2023)
1. اندلاع الأزمة والتحذير من التهجير (أكتوبر 2023)
في الأيام الأولى للعدوان، سارعت مصر للتحذير من خطورة الانزلاق إلى صراع إقليمي وتصفية القضية على حساب الجوار. وفي 18 أكتوبر 2023، خلال مؤتمر صحفي تاريخي مع المستشار الألماني بالقاهرة، أطلق الرئيس السيسي تصريحه الذي غير مجرى الأحداث:
“مصر ترفض تصفية القضية الفلسطينية بالأدوات العسكرية، أو أي محاولات لتهجير الفلسطينيين قسرياً من أرضهم، أو أن يأتي ذلك على حساب دول المنطقة. فكرة التهجير تعني تصفية القضية، وسيناء لن تكون وطناً بديلاً، ولن نسمح بإنهاء القضية الفلسطينية إلا بحل عادل.”
2. قمة القاهرة للسلام (21 أكتوبر 2023)
استضافت مصر قمة دولية كبرى بالعاصمة الإدارية الجديدة بمشاركة واسعة. وفي كلمته الافتتاحية، أكد الرئيس السيسي على ثبات الشعب الفلسطيني فوق أرضه:
“يخطئ في فهم طبيعة الشعب الفلسطيني من يظن أن هذا الشعب الأبي راغب في مغادرة أرضه، حتى لو كانت تحت القصف.. إن حل القضية الفلسطينية ليس التهجير، بل العدل وحصول الفلسطينيين على حقوقهم المشروعة في دولتهم المستقلة.”
ثانياً: مرحلة الثبات وكسر الحصار الإنساني (2024)
3. معركة السيادة ونفاذ المساعدات (يناير – فبراير 2024)
مع تزايد الضغوط والادعاءات حول إغلاق المعبر، أوضح الرئيس السيسي في احتفالية عيد الشرطة (يناير 2024) حقيقة الوضع الميداني وسعي مصر لإدخال المساعدات بكل السبل:
“معبر رفح مفتوح 24 ساعة، 7 أيام في الأسبوع، لكن الإجراءات التي تتم من الجانب الآخر هي التي تعيق دخول المساعدات.. نحن لا نغلق المعبر أمام أهالينا، ومصر لن تسمح بأي محاولة لتجويع الشعب الفلسطيني، وسنستمر في الضغط لفتح مسارات الإغاثة.”
4. قمة الاستجابة الإنسانية الطارئة (يونيو 2024)
شاركت مصر في تنظيم وترؤس “مؤتمر الاستجابة الإنسانية الطارئة لغزة” الذي عُقد بالتنسيق مع الأردن والأمم المتحدة. وفي كلمته بتاريخ 11 يونيو 2024، وجه الرئيس نداءً حاسماً للمجتمع الدولي:
“إن ما يشهده قطاع غزة هو كارثة إنسانية متعمدة، وعلى المجتمع الدولي إلزام إسرائيل بالتوقف عن استخدام الجوع كسلاح في هذه الحرب، وفتح كافة المعابر البرية دون عوائق لتسهيل عمل المنظمات الأممية.”
5. قمة مجموعة الثماني النامية (ديسمبر 2024)
في أواخر عام 2024، وخلال ترؤس مصر للقمة بالقاهرة في 19 ديسمبر 2024، لخص الرئيس السيسي المأساة ووضع رؤية “اليوم التالي”:
“ما حدث منذ أكتوبر 2023 تعدى كل الحدود والقواعد الدولية والإنسانية.. النجاح لن يُكتب لأي تصور لليوم التالي في غزة إذا لم يتأسس على تدشين الدولة الفلسطينية المستقلة على خطوط 4 يونيو 1967، والبدء الفوري في تضميد جراح هذا الشعب.”

ثالثاً: عام 2025.. عام الحسم، البناء، والسلام الشامل
دخل عام 2025 بمرحلة جديدة انتقلت فيها القاهرة من إدارة الأزمة إلى فرض واقع السلام وإعادة الإعمار:
6. إطلاق مبادرة “غزة آمنة” (يناير 2025)
أعلن الرئيس السيسي عن رؤية مصرية شاملة للإدارة المدنية والأمنية للقطاع لضمان عدم العودة للصراع، مؤكداً:
“إن مصر لن تكتفي بوقف إطلاق النار، بل تسعى لتأسيس واقع جديد يضمن للفلسطينيين حياة كريمة، وللمنطقة استقراراً مستداماً عبر خطة ‘غزة آمنة’ التي تدعم المؤسسات الوطنية الفلسطينية.”
7. القمة العربية الاستثنائية وخطة الإعمار (مارس 2025)
استضافت القاهرة قمة عربية تاريخية، قدم خلالها الرئيس السيسي “الخطة المصرية الشاملة لإعادة إعمار قطاع غزة”. وقد شملت الخطة رؤية هندسية وتنموية بجدول زمني محدد، وقال الرئيس في خطابه:
“إن مصر، التي لم تتوانَ يوماً عن تقديم الدماء والتضحيات، تفتح اليوم أبواب خبراتها وسواعد أبنائها لتعود غزة نابضة بالحياة.. خطتنا للإعمار هي رسالة أمل لأهلنا في فلسطين بأننا معهم في البناء كما كنا معهم في الصمود، وسنبني مدناً ومستشفيات تليق بتضحياتهم.”
ركائز الخطة المصرية للإعمار:
تأسيس مدن سكنية متكاملة بأسماء رمزية تعبر عن الهوية العربية.
إعادة تأهيل البنية التحتية والمرافق الحيوية بسواعد مصرية وخبرات عالمية.
ربط القطاع بشبكة خدمات لوجستية تضمن تدفق البضائع والخدمات واستدامة التنمية.
8. التنسيق الدولي لرفع الحصار (أبريل 2025)
قادت مصر حراكاً دبلوماسياً مع القوى الكبرى لضمان ضمانات دولية للسلام، حيث أكد الرئيس السيسي خلال لقاءات دولية بالقاهرة:
“لقد حان الوقت للاعتراف بأن القوة العسكرية لم ولن تحقق الأمن، وأن مسار السلام العادل هو الوحيد القادر على إنهاء معاناة الملايين، وعلى العالم دعم الدولة الفلسطينية كضمانة وحيدة للاستقرار.”
9. قمة شرم الشيخ للسلام (مايو 2025) – “تتويج الجهود”
توجت الملحمة الدبلوماسية المصرية بانعقاد قمة شرم الشيخ، التي شهدت توقيع اتفاقية إنهاء الحرب بضمانات مصرية ودولية. وفي كلمته التي وُصفت بـ “خطاب النصر الدبلوماسي”، أعلن الرئيس السيسي:
“اليوم، ومن مدينة السلام شرم الشيخ، نعلن طي صفحة من الدماء والمعاناة. إن هذا الاتفاق هو انتصار لصوت العقل، والتزام مصري لا يلين بحماية حقوق الشعب الفلسطيني وسيادتنا الوطنية، وبداية لعهد جديد من البناء فوق الركام.”
الملحمة الإغاثية واللوجستية المصرية (بالأرقام والوقائع)
لم يكن الموقف المصري سياسياً فحسب، بل كان لوجستياً بامتياز عبر محاور ثلاثة:
المساعدات البرية: قدمت مصر أكثر من 80% من إجمالي المساعدات الإنسانية التي دخلت القطاع، حيث عبرت آلاف الشاحنات المحملة بمئات الآلاف من الأطنان من الغذاء والدواء والوقود.
الإسقاط الجوي (النسر الباسل): نفذت القوات الجوية المصرية عشرات العمليات البطولية لإنزال المساعدات جواً (Airdrops) على المناطق المعزولة في شمال غزة لكسر حصار التجويع.
إعادة الإعمار الميداني: مع توقيع اتفاق السلام، بدأت الشركات المصرية وآليات الهيئة الهندسية في تنفيذ خطة “بناء الأمل” التي أُقرت في قمة القاهرة العربية، لتبدأ معالم الحياة في العودة للقطاع.
الركائز الثابتة للموقف المصري (خاتمة)
الرفض القاطع للتهجير: نجحت مصر في إجهاض كافة سيناريوهات التهجير القسري وحفظت القضية من التصفية.
السيادة والأمن القومي: الحفاظ على أمن سيناء القومي مع استمرار دور مصر كراعية تاريخية للحق الفلسطيني.
من الإغاثة إلى البناء: تحول الدور المصري من تضميد الجراح إلى قيادة أكبر عملية إعمار وتنمية في تاريخ القطاع.
حل الدولتين: تتويج كافة الجهود بالاعتراف الدولي الواسع بالدولة الفلسطينية المستقلة على خطوط 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
إن مواقف الرئيس عبد الفتاح السيسي من السابع من أكتوبر 2023 وصولاً إلى اتفاق السلام وإعمار غزة في 2025، ستظل مسجلة في التاريخ كحائط صد منيع وبرهاناً على أن مصر تظل دائماً القلب النابض والدرع الحامي والأمل الباقي للأمة العربية.



